فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 381

ومنه قوله تعالى حاكيا عن حبيب النجار [1] : {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [2] فعدل عن خطاب الواحد إلى الجمع لأنه أبرز لهم كلامه في معرض المناصحة لهم، كأنه قال: إني أحب لكم ما أحب لنفسي، فاتبعوني، وكما أعبد الذي فطرني، فاعبدوا أنتم الذي فطركم، وإليه ترجعون، وتضمن كلامه أيضا تذكيرهم النعمة في إنشائهم وخلقهم، واستدعاء شكرها بالعبادة، وتحذيرهم نقمة الكفر عند الرجوع إلى عالم الغيب والشهادة، والله أعلم.

الصنف الثاني: في الالتفات عن الماضي إلى المضارع، وعكسه [3] .

أما الأول: فموضعه ما إذا كان بعض أحوال القضية الخبرية مشتملا على نوع تميز وخصوصية لاستغراب أو أهمية، فيعدل فيها إلى المضارع المستعمل للحال إيهاما للسامع حضورها حال الإخبار ومشاهدتها ليكون أبلغ في تحققها له، فمن ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [4] فعدل عن لفظ «فأصبحت» إلى لفظ «فتصبح» ، لما ذكرنا من قصد المبالغة في تحقيق اخضرار الأرض لأهميته إذ هو المقصود بالإنزال، وهو سبب، فوزانه من الكلام «أنعم عليّ فلان عام كذا، فأروح وأغدو شاكرا له» ورفع «فتصبح» . وإن وقع في جواب الاستفهام لأن ما في خبره وهو: الريّ، ليس سببا للإصباح، وإنما ينصب ما في جواب الاستفهام، إذا كان ما في خبره سببا له.

ومنه قوله تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [5] فقال «تثير» مضارعا، وما قبله وما بعده ماضيا،

(1) هو حبيب بن إسرائيل النجار، وكان ينحت الأصنام، آمن برسول الله وبينهما ستمائة سنة كما آمن به ورقة ابن نوفل، ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره. الكشاف 4/ 7ط الاستقامة.

(2) سورة يس آية 22.

(3) في الأصل: عن المضارع إلى المضارع وعكسه، وهو سهو من الناسخ، والأمثلة التي ساقها تؤكد صحة ما أثبتناه في النص.

(4) سورة الحج آية 63.

(5) سورة فاطر آية 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت