والغائية: فهم معناه لالتذاذ النفس وانتفاعها به، وشرط تأثير هذه العلة في وجود التأليف، تركيب طبع قابل له، محبّب إليه من جهة الله تعالى ليكون حاصلا للنفس بالقوة، ثم يخرج بتكميل آلاته المذكورة إلى الفعل، وإلا لكان الإنسان المحاول
للتأليف بدون تركيب تلك القابلة، كالقادح في غير حراق [1] أو المقابل لمرآة صدية لا تقبل الانطباع، ثم القابلية قد تكون عامة، بحيث تقبل من قامت به جميع العلوم، وقد تكون خاصة بحيث لا يقبل صاحبها إلا بعضها كفقه أو طبّ أو نحو، وكذلك قابلية التأليف، إذ قد يكون الإنسان عارفا بصناعة النظم والنثر جميعا، وقد يكون عارفا بأحدهما فقط مع استوائهما في مادة القسمين، وهي أعني: آلات التأليف ضربان:
النوع الأول: معرفة العربية من نحو، وتصريف، وإدغام:
أما النحو فلأن به تقسيم معاني الكلام، وتصان عرى تآليفه عن الانحلال والانفصام، ولهذا قيل: النحو في الكلام، كالملح في الطعام، أي: لا يصلح إلا به، لا أن كثيره مفسد له، ككثرة الملح للطعام، ومثاله المشهور، لو قال قائل: «ما أحسن زيد» بسكون النون والدال، غير معرب، لالتبس النفي بالاستفهام بالتعجب، ولم نعلم ما أراد، ولو أعرب، لفهمنا المراد إذ الرفع على النفي [2] والجر على الاستفهام، والنصب على التعجب، وقد ذكرت في كتاب «فضل العربية» [3]
أمثلة كثيرة من هذا الباب.
وأما التصريف والإدغام، ففائدتهما كالنحو في صون الكلام عن الاختلال، والمتكلم عن لحوق الطعن والمقال، كما سيأتي، وأورد ابن الأثير رحمه الله على نفسه سؤالا أطنب فيه، وفي جوابه [4] .
(1) الحراق: ما تقع فيه النار عند القدح.
(2) في الأصل: إذ الرفع علم النفي وإنما أثبتنا «على النفي» لتشاكل ما بعدها.
(3) الزركلي عدد كتب المؤلف ولم يذكر منها هذا الكتاب (انظر الأعلام 1/ 387) .
(4) المثل السائر 1/ 49ط نهضة مصر والجامع الكبير ص 9وما بعدها.