ولتعلم أولا: أن المعاني للألفاظ كالأرواح للأجساد، وكما أن قيام النقص بالروح والجسد يؤثر نقصا في التنبيه، فكذا قيام النقص باللفظ أو المعنى يؤثر نقصا في الكلام.
وهذا الذي ذكرنا يقتضي قسمة: وهو أن اللفظ والمعنى إما جيدان، باعتبار ما سيأتي في صفاتهما وشروطهما، وهو أعلى مراتب البيان. أو رديئان، وهو: أدنى مراتب الكلام. أو اللفظ رديء فقط، أو المعنى فقط، وهما واسطتان، وخير هما الأولى، لقوة جانب المعنى إذ قد تقدم أنه المقصود بالذات، فينبغي للمنشئ أن يتخير الإنشاء وقت نشاط نفسه، وفراغ باله، فإن قليل ذلك الوقت بكثير غيره، ولا يغالب خاطره ساعة إعراضه، وإحجامه عن الفكر أو حين شغله عنه، فإن ذلك يؤذيه، ويشين ألفاظه ومعانيه، وليعمد إلى أشرف المعاني وأجلها، وليؤدّ بها أحسن الألفاظ وأعذبها وأدلّها، وليبن كلامه من القسمين، وليستخرج الدر من مجمع البحرين، ولا يقصر همته على تجويد أحدهما، بل ليكن شديد العناية بهما فإن معنى لا لفظ له ناقص، ولفظ لا معنى له في ميدان البلاغة حسير ناكص [1] إذ قول القائل:
«فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن» ليس له رونق قوله [2] :
أغرّك مني أن حبّك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل
(1) ناكص: محجم.
(2) البيت لامرئ القيس من معلقته. قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ديوانه ص 13