الفصل الثالث الكلام المنثور والمنظوم
مناقشة ابن الأثير فيما ذهب إليه بأن النثر أفضل:
اختلف في الكلام المنثور والمنظوم، أيهما أفضل؟ والذي اختاره ابن الأثير [1]
تفضيل المنثور، واحتج عليه بوجوه:
الأول أن القرآن أعلى الكلام، وأسلوبه النثر، فدل على أنه أعلى الأساليب، ويؤكده أن القرآن نزل معجزا، والإعجاز إنما يكون بأصعب الأشياء وأشقها، قياسا على سائر المعجزات في أزمتها، فدل على أن أسلوب النثر أصعب وأشق من أسلوب النظم، والآتي بالأشق أفضل، بالمعقول والاستقراء.
والثاني: أن الناظمين من العرب وغيرهم كثير جدا، والناثرين قليل جدا إذ لم يسمع لأحد منهم نثر، إلا «قسّ بن ساعدة» [2] ولهذا ضرب به المثل في الفصاحة والبلاغة، وذلك لأفضلية أسلوبه الذي هو النثر، لأن الرتب العالية، والمناصب السامية، إنما يدركها النادر من الناس، كالمشاهير بالشجاعة، علي وعمرو، والكرم كحاتم وكعب.
واعترض على الأول بأن نزول القرآن على أسلوب النثر لا يقتضي أفضليته، بل مفضوليته، وذلك لأنه لما كان أسهل عليهم من النظم أنزل القرآن على أسلوبه، بحيث إذا تبين عجزهم عن معارضة الأسهل، علم أنهم عن معارضة الأصعب أعجز، كما أنه
(1) الجامع الكبير ص 73والمثل السائر 54.
(2) قس بن ساعدة الإيادي، حكيم العرب، رآه الرسول يخطب بعكاظ على جمل أحمر واقتص أبو بكر قصته وأنشد شعره. المعارف 28.