تحداهم أن يأتوا بمثله، ثم بعشر سور منه، ثم بسورة منه، بحيث إذا عجزوا عنها كانوا عن أكثر منها أعجز.
وإنما قلنا: إن النثر أسهل عليهم، وهو الاعتراض على الوجه الثاني لأنهم صرفوا عنايتهم إلى النظم عنه، واستفرغوا وسع قرائحهم فيه، اظهارا لقوتهم في الفصاحة والبلاغة. والعادة جرت في مقام الافتخار وإظهار الفضيلة، وإنما تعتني بالأصعب فالأصعب، كما أنه إنما يظهر فضله في الفروسية في قيادة الفرس الجواد الجموع، دون البرذون، وفي الشجاعة بمبارزته الشجاع دون الجبان، وفي قتل أسد لا سنّور، وجرأته في خوض المفاوز المخوفة في ظلام الليل، دون شوارع القرى، وأزقة المدن نهارا، وفي حمله الثقل، يحمل ألف رطل، لا في حمل خمسة أرطال.
وأجاب عن الأول، بالقياس على سائر المعجزات، كإحياء الموتى، وانشقاق البحر، ونبع الماء من الحجر، فإنها كانت أصعب الأشياء على أهل زمانها، وهذا ضعيف لأن معجزات الرسل وردت من جنس ما كان يتعاناه [1] أممهم، ويفتخرون به، وهو عظيم عندهم، كالناقة لأهل الإبل، وقلب العصا حيّة لأهل السحر، وإحياء الموتى لأهل الطب، والفصاحة لأهل اللسان، وذلك لا يمنع تحدي بعضهم بأسهل مما عندهم، مبالغة في إظهار عجزهم.
وأجاب عن الثاني: بأن إكثار العرب من النظم دون النثر، دليل على مشقته، وسهولة النظم لأن الإنسان إنما يكثر مما يسهل عليه، ويقل مما يعذر عليه، وهذا ضعيف من وجهين:
أحدهما: منع ما ذكر بأن الإنسان قد يصرف همته إلى الأصعب حتى يصير عليه أسهل من الأسهل لإلف نفسه له، وحصول الملكة لها به، كالكاتب يألف قلم النسخ، والخياط يألف خياطة الحرير والخزّ، فيصير أسهل عليهما من قلم الثلث،
(1) يتعاناه: يعنون به