وهو أبسط لفظا وأوجز معنى.
ومنها قول بعضهم نثرا: «أحق من أثبت لك العذر في حال شغلك من لم يخل ساعة من برّك وقت فراغك» . فأخذه آخر بعده فقال: «في شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عن استبطاء ما تأخر منه» . فزاد في المعنى وأوجز في اللفظ، ثم قال أبو نواس [1] :
لا تسدين إليّ عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
وهو أبدع وأحسن.
لما كان الإنسان ناقصا في نفسه لا يستغني بذاته، دعت حاجته إلى مساعد ومعاضد على انتظام أموره، وبلوغ أغراضه، ومن لوازم ذلك إعلام ما في ضمير غيره، فاقتضت حكمة الخالق سبحانه وتعالى وضع ما يعلم ويستعلم ذلك به فوضع له الآلة النطقية لأنها أسهل ما يمكن من الموضوعات لذلك من عقد أو إشارة أو كتابة، فقد علم من هذا أن أصل وضع هذه الآلة لأجل الضرورة، وما ثبت بالضرورة تعدد بقدرها لاستلزام انقطاع العلة بانقطاع معلولها، وهذا يقتضي أمرين:
أحدهما: أنه حيث أمكنت الإفادة التامة بدون الكلام كان أولى، ولهذا نفت المعتزلة كلام الله تعالى أصلا لأنهم قالوا: فائدة الكلام إخبار المكلفين بما يحتاجون إليه في التكليف، وهو ممكن لله تعالى بدون الكلام بأن يخلق فيهم العلم بذلك، أو يخلق كلاما في محل ما يعلمون ذلك به، وحينئذ إثبات الكلام له مع جواز الاستغناء عنه عنت، وموضع الرد عليهم غير هاهنا.
(1) من قصيدة مطلعها:
حلت سعاد وأهلها سرفا ... قوما عدى ومحلة قذفا
ديوانه 432ط مصر 1953والموازنة 1/ 125.