فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 381

النكاح وثبوته متيقنا، فلا يحكم بدفعه بأمر محتمل، وإن لم تمكن إرادة تلك الأقوال جميعها من اللفظ لدليل دلّ على عدم إمكانها منه، لم يحمل إلا على ما أمكن إرادته منها منه [1] والله أعلم.

فائدة هذا القانون ومن ينتفع به:

واعلم أن التزام هذا القانون في التفسير يدفع عنك كثيرا من خبط المفسرين بتباين أقوالهم، واختلاف آرائهم، وإنما ينتفع بالتزام هذا القانون من كانت له يد في معرفة المعقول، والمنقول، واللغة وأوضاعها، ومقتضيات ألفاظها، والمعاني، والبيان، بحيث إذا استبهم عليه تفسير آية، وتعارضت فيها الأقوال، صار إلى ما دلّ عليه القاطع العقلي، أو النقلي على تفصيل سبق، ثم إلى مقتضى اللفظ لغة، ونحو ذلك. أما من كان قاصرا فيما ذكرناه، فلا ينتفع بما قررناه لأنه يكون كمن له سيف قاطع، لكن لا تقلّه يده لعلة به، فيقول كما قال صخر بن عمرو [2] عند ذلك:

أهمّ بفعل الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان

فإن قلت: لا شك أن المفسرين نقلوا كل ما بلغهم من وجوه التفسير، ولم يتعرّض أحد منهم لما ذكرت، فدل على أنه غير معتبر، ويؤكد ذلك أنهم تتبّعوا ألفاظ القرآن ومعانيه، فلم يتركوا منها شيئا إلا تكلموا عليه، فإخلالهم مع ذلك بهذا القانون الذي زعمت: أن لا سبيل إلى الانتصاف من علم التفسير بدونه بعيد جدا.

قلت: نقل المفسرون كل ما بلغهم من وجوه التفسير، وعدم تعرضهم للقانون الذي ذكرته لا يدل على عدم اعتباره لجواز أنهم نقلوه ما نقلوه ليعتبر بالقانون المذكور، ألا ترى أن رواة الحديث نقلوا كل ما بلغهم منه: من صحيح وسقيم، ثم إن جهابذة النقد منهم وضعوا للحديث قانونا معتبرا اعتبروا به أحوال الرواة، ونقّحوا به إحكام الروايات، حتى عرف السقيم من الصحيح، والمعدّل من الجريح، واتضح المبهم، وفصح الأعجم، وزال الإشكال، وارتفع الإجمال، ثم إن الفقهاء تسلّموا

(1) والمعنى: لم يحمل إلا على ما أمكن إرادته من تلك الأقوال من هذا اللفظ.

(2) هو صخر بن عمرو السلمي أخو الخنساء. وفي اللسان: أهم بأمر الحزم «مادة نزا» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت