فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 381

الحديث من أهله، وفيه المتعارض والموهم [1] للتناقض، فانتدبت له نقادهم وهم الأصوليون، فوضعوا له قانون الأصول، فاعتبروه منه، فأزالوا تعارضه، ونفوا تناقضه، بحمل مطلقه على مقيّده، وعامّه على خاصّه، وإعمال ناسخه، وإهمال منسوخه، فاستخرجوا بذلك لأنفسهم أقوالا في الفقه متعارضة، وآراء مختلفة متناقضة، فتسلمها أهل كل مذهب عن إمامهم، فاجتهدوا فيها باعتبارها قوانين ذلك الإمام، وقواعد مذهبه تارة بتقرير النصين، وحملها على اختلاف حالين، وتارة بطرد القولين بالنقل والتخريج في المسألتين، حتى جعلوا له مذهبا واحدا، الفتيا عليه لا تكاد تختلف، ولم يقل أحد: إن نقل المحدثين، والأئمة، والفقهاء لجميع ما صار إليهم، دليل على عدم اعتبار القوانين المميزة لما يجب إهماله، كذلك هاهنا ولا فرق. ثم إنّا ما رأينا، ولا سمعنا، ولا عقلنا أن أحدا يفتح طريقا إلى مقصد نجيب يوصل إليه قطعا، وهو سهل سمح خال من حجر، وخطر، وعارض سوء، يقال له:

إن أحدا ممن تقدمك لم يفتح هذا الطريق، وذلك دليل على أنه غير موصل إلى المقصود به إذ هذا استدلال بالجهل، أو العدم على العلم الموجود، ومن الجائز غفل عنه المتقدم عما تنبه عليه المتأخر، وإلا لوجب أن لا يزداد علم الشريعة عما كان عليه في أول طبقاته، وقد زاد زيادة كثيرة، وما ذاك إلا لاستدراك المتأخرين على من سبقهم، وزيادتهم على ما قرروه، وتنبيههم على ما أغفلوه، والله أعلم بالصواب.

(1) في الأصل: والوهم للتناقض. وهو تحريف من النساخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت