التفاسير المتداولة بين الأمة ما لم يقله النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولو عرض عليه لردّه وزجر قائله، ونعرف ذلك من اختلاف أقوال المفسرين في الحرف الواحد أو الآية الواحدة على عشرة أقوال وأكثر وأقل، بعضها يردّ بعضها، أو يضادّه، أو يناقضه، وأقلّ ما فيه أن تختلف تلك الأقوال أو بعضها بالعموم والخصوص، وسبب ذلك، أن ما أخذه بعض الصحابة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من التفسير، تناقلوه فيما بينهم على حسب الإمكان، ولعلّ بعضهم مات ولم ينقل ما عنده منه لمبادرة الموت له، ثم تفرق الصحابة رضي الله عنهم بعد موت النبي صلّى الله عليه وسلّم في البلاد، ونقلوا ما علموه من التفسير إلى تابعيهم، وليس كل صحابي علم تفسير جميع القرآن بل بعضه إذ الجامعون للقرآن على عهده صلّى الله عليه وسلّم كانوا نفرا معدودين، وشرذمة قليلين، فألقى الصحابي ذلك البعض إلى تابعه، ولعل ذلك التابعي لم يجتمع بصحابي آخر يكمل له التفسير، أو اجتمع بمن لا زيادة عنده على ما عنده عن الصحابي الذي أخذ عنه، فاقتصر عليه، وشرع يكمل تفسير القرآن باجتهاده استنباطا من اللغة تارة. ومن السنة تارة ثانية، ومن نظير الآية المطلوب تفسيرها من القرآن تارة ثالثة، ومن مدارك أخر رآها صالحة لأخذ التفسير منها: كالتاريخ، وأيام الأمم الخالية، والقضايا الإسرائيليات ونحوها، فاتسع الخرق، وكثر الدخل في التفسير، حتى آل الأمر إلى الأقوال الكثيرة، فتفعل كل طبقة من المفسرين كفعل التي قبلها، من زيادة الوجوه، والأقوال، والاختيارات، كما نراهم يصرحون به في تفاسيرهم، وينسبون الأقوال إلى آرائهم ومذاهبهم، وهذا بعينه هو كان السبب في اختلاف مذاهب الفقهاء رحمهم الله: أعني تفرق الصحابة في البلاد، واختصاص بعضهم بما ليس عند غيره من ناسخ أو منسوخ، أو زيادة في حكم من تقييد مطلق، أو تخصيص عام، ونحوه، فأفتى كل منهم بما انتهى إليه علمه، ثم انضم إلى ذلك اختلافهم في تأويل الكتاب والسنة بحسب ما فهموه من اختلاف اللغات، والقرائن، والأحوال، ثم تلقى ذلك عنهم التابعون رحمهم الله،
فمن بعدهم فلا جرم كثر الخلاف جدا كما حكى عبد الوارث بن سعيد [1] قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا
(1) عبد الوارث بن سعيد يعرف بالتنوري، ويكنى أبا عبيده مولى لبني العنبر من بني تميم وهو من أصحاب الحديث توفي بالبصرة سنة 180هـ المعارف 223.