ومنه: قول مؤمن من آل فرعون: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ. وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} [1] فأخذهم بالاحتجاج على جهة التقسيم والاستدراج فقال:
هذا إما كاذب فوبال كذبه عائد عليه، فما لكم وله، وإما صادق فيصيبكم بعض ما يعدكم به، فقدم الكذب على الصدق، وقال: «بعض الذي يعدكم» من علمه بأن جميع ما وعدهم به واقع بهم هضما لبعض حقه في ظاهر الكلام، كأنه قال: إني قد هضمته بعض حقه، وحجتي ظاهرة عليكم، فكيف لو استوفيت له حقه في جدالكم، أو تعصبت له فزدته على حقه، ثم أبطل القسمين، وهو كونه كاذبا بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [2] أي: وهذا قد هداه الله للإيمان فلا يكون كاذبا، فيكون صادقا، فاقبلوا اتباعه، وهذا هو المقصود بالاستدراج، توصل إليه بتلك المقدمات، والله أعلم.
وهكذا قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: {مَا تَعْبُدُونَ؟. قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [3] . فإن في هذه القصة أنواعا من التلطف والاستدراج.
وهو معرفة السامع قافية البيت، أو فاصلة النثر من سماع صدر كلام، كقول النابغة [4] :
(1) سورة غافر آية 28.
(2) سورة غافر آية 28.
(3) سورة الشعراء آية 70و 71.
(4) من قصيدة يمدح بها النعمان بن المنذر ويعتذر له ومطلعها:
أمن ظلامة الدمن البوالي ... بِمُرفَضِّ الحبي إلى وعال
وفي الديوان ولو كفّى اليمين بغتك خونا
ديوانه ص 139.