والثاني: كقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ، وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [1] فأظهر ذكرهم ذما لهم خصوصا وقد انضم إلى قولهم هذا مبادهتهم به، وقد تقدم وجه قبحها.
وقد قدمنا جملة منه في شجاعة العربية [2] ، إلا أنه متعلق باللفظ والمعنى جميعا، وقد كان الأليق ذكر هذا عقيب ذلك جمعا بين المتناسبين، إلا أنا تابعنا ابن الأثير في ترتيبه في غالب الكتاب.
فمنه تقديم السبب على المسبّب، نحو: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [3] فقدموا العبادة لأنها سبقت حصول الإعانة، فتقديمها أجدر بتحصيل المقصود من العكس.
ولو مدح رجل رجلا، ثم سأله، كان أرجى لإجابة سؤاله من تقديم السؤال.
ومنه قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [4] فقدّم إحياء الأرض، لأنه سبب حياة الأنعام والناس، وقدم إحياء الأنعام لأنه مما تحيا به الناس بأكل لحومها وألبانها.
ومنه تقديم الأعجب فالأعجب: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ} [5] ولو عكس، لكان من تقديم الأكثر فالأكثر، كقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ. وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ. وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [6] فهذه الأصناف من الناس في الكثرة والقلة على هذا الترتيب.
(1) سورة سبأ آية 43.
(2) ص 170154من هذا الكتاب.
(3) سورة الفاتحة آية 5.
(4) سورة الفرقان آية 49.
(5) سورة النور آية 45.
(6) سورة فاطر آية 32.