ولا لقوله «مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن» رونق قوله:
وربّ ميت تمنى أنه حجر ... في البيت حين أكبّت تلثم الحجرا
ويحتاج ذلك إلى قابلية وطبع مجيب، وإلا فقد أخبر المبرد [1] عن نفسه، مع تقدمه في صناعة الآداب، أنه طالما عجز عن إنشاء عبارة يرتضيها في مهم: من اعتذار عن فلتة، أو شكر عن نعمة، ولذلك قيل: زيادة المنطق على الأدب، خير من زيادة الأدب على المنطق. ولقد رأيت ببغداد رجلا نفّاطا يركب الخطب والشعر من معان بديعة لائقة، في ألفاظ عذبة رائقة، على وجه يعجز عنه الأدباء والمدرسون، وكان لحّانة، مع أن جميع لحنه يقبل الإعراب الصحيح، مع بقاء الوزن.
وينبغي له أن يخاطب كل قوم بما يقرب من أفهامهم، فإن ذلك من مقاصد البيان المهمة، ككتاب النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى كسرى، فإنه في غاية الوضوح يفهمه من له أدنى تشبث بالعربية لكونهم أعاجم، وكانت كتبه صلّى الله عليه وسلّم إلى العرب في غاية الفصاحة والغرابة، لأنهم كانوا يفهمون ذلك.
وإذا فرغ من إنشاء كلامه، اشتغل بتنقيح ألفاظه، وترصيف معانيه وترصينها من تقديم مؤخر، وتأخير مقدّم، وتبديل ثقيل بأخف، وأخف بأثقل ليحصل التلاؤم والتعادل، وليجعل كأن معه معترضا عليه في كلامه، مناقشا له فيه، فتورد له الأسئلة على نفسه، ثم يجيب عنها ويقرر ما أنشأه على ما استقر عليه جوابه، كما قال الخليل [2]
رحمه الله «ما وضعت شيئا حتى عرفت آخر ما يلزمني فيه» .
وأما بيان الطريق إلى معرفة التأليف فقال ابن الأثير [3] : أجود الطرق وأحراها
(1) هو أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي الثمالي البصري توفي سنة 286هـ وهو عالم في اللغة والأدب وله كتاب الكامل، والبلاغة، معجم الأدباء 19/ 111.
(2) هو صاحب العروض من الأزد من فخذ يقال لهم الفراهيد، المعارف 236
(3) الجامع الكبير 26.