أحدهما: قد ذكرنا أن أقسام العلم وأنواعه متعددة متكثرة، وذلك ظاهر في أن حقيقة العلم يلحقها التعدد والتكثر، والذي يجب اعتقاده أن ذلك لا يلحقها، بل هي ماهية واحدة تتصف النفس بها ولهذا عرّف العلم بأنه صفة توجب تميّزا، وإنما التعدد والتكثّر في متعلقه، وهو المعلوم، ثم يطلق عليه اسم العلم مجازا، إطلاقا لاسم المتعلّق بكسر اللام على المتعلّق بفتحها وكذلك استعملناه في التقسيم، وممن حكي عنه هذا المعنى سيبويه [1]
الثاني: أننا ذكرنا أن علم القرآن، وكذا غيره، إما متعلق باللفظ أو المعنى، والمراد: أن بعضه يتعلق بالمعنى بواسطة اللفظ، وبعضه يتعلق به من غير واسطة، لا أن بعضه يتعلق باللفظ لذاته لما ثبت من أن الألفاظ آلة يتوصل بها إلى المعاني التي هي الأغراض، وأنها خدم لها، فالمقصود لذاته إنما هو المعنى، فبهذا الاعتبار جميع العلوم معنوية.
وإنما يتجه انقسامها إلى لفظي ومعنوي بالاعتبار الذي ذكرناه من الواسطة وعدمها، ويدل على أن الألفاظ غير مقصودة لذاتها وجوه:
الأول: أن العرب متى فهمت المعنى بدون اللفظ، حذفته وجوبا، نحو: جواب لولا، وفي نحو ضربي زيدا قائما، وأخطب ما يكون الأمير جالسا، وكحذف الخبر تارة، والمبتدأ أخرى، والجملة، نحو: نعم، جوابا لمن قال: أقام زيد؟ أو أعندك عمرو؟
الثاني: أن من نطق بألفاظ لا معنى تحتها، عدّ هاذيا لا متكلّما. ولو أفاد معنى بدون اللفظ، كالإشارة والرمز، لعدّ متكلّما عرفا، وحيث دار القصد مع المعنى وجودا وعدما، دل على أنه المقصود لذاته لا الألفاظ.
الثالث: أننا نتصرف في الكلام بالحذف والتقدير لتصحيح المعنى. فتقدر الجملة
(1) هو عمرو بن عثمان بن قنبر إمام البصريّين من أهل فارس ونشأ بالبصرة وأخذ عن الخليل، مات سنة 180هـ وعمره اثنتان وثلاثون سنة وقيل نيف وأربعون.