وكقول ابن هاني [1] :
من ليس يرفل إلا في سوابغه ... من تبعي مفاض أو سلوقي
أم من يذلّ عماليقا تذلّهم ... أي الأجادل يسمو للكراكي
فهذه القوافي وأصلها من المبتذلات ينبغي اجتنابها لغثائتها، ومج الأسماع لها لابتذالها.
بلا قرينة تميزه إذ بدون القرينة يسبق إلى الوهم المعنى المستكره، فتمجّه النفس وتنفر منه [2] . ولا تزول تلك النفرة بعد معرفتها أن مراده المعنى الحسن، لصلافتها وسرعة بغيها بالمعاني، ألا ترى أنك [3] لا تشك في حسن الورد، وحلاوة العسل، ولو قيل: هذا الورد يشبه سرم البغل، وهذا العسل كأنه عذرة [4] ، وهذا اللبن كأنه مدة أو قيح، لنفرت، فإذا نفرها التشبيه الطارئ، فكيف بالإدراك المتبادر للسياق.
مثال ذلك قوله تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} [5] .
وقوله: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [6] .
وقول القائل: «لقيت فلانا فأكرمته وعزّرته» . فلولا قرينة الإكرام في هذه المواضع، لفتح لمبادرة الذهن إلى التعزير بمعنى: التأديب والإهانة.
(1) هو محمد بن هانئ الأندلسي وهو غير أبي نواس، له ديوان مطبوع، ولد بقرية من قرى أشبيلية سنة 320هـ وتوفي مقتولا سنة 372هـ.
وهذان البيتان من قصيدة يمدح بها أبا الفرج السبياني مطلعها:
قولا لمعتقل الرمح الرديني ... والمرتدي ب لرداء الهندواني
(2) في الأصل: وتنفرد منه، وهو خطأ من الناسخ.
(3) في الأصل: ألا ترى أنها.
(4) العذرة: الغائط.
(5) سورة الأعراف آية 157.
(6) سورة الفتح آية 9.