وكذا قول بعضهم يصف رقعة جاءته من صديق له: «فأنارت إنارة الزواهر، فالأذهان منها كالعانة في فلكها الدائر» ، فإن العانة مشترك بين جماعة حمر الوحش، والشعر حول القبل، وكواكب في السماء تحت القوس، فبذكره الفلك، علم أن المراد: هذا المعنى الأخير لملازمة الكواكب له.
واعلم أن القرينة قد تكون قوية فتميز بين المشتركين تمييزا تاما، وقد تكون ضعيفة، فلا تفيد.
مثال الأول قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [1] . فإن لفظ المقعد والمقعدة مشترك بين ما يلاقي الأرض من الإنسان إذا قعد، وبين موضع القعود، كالمضرب والمقتل، لكن ذكر القتال في الآية بيّن أن المراد: الموضع، لا ما يلاقيه. وقرينة أخرى، وهي: تبوئ إذ معناها تنزل في قوله تعالى: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا} [2] أي: بنوا لهم، وذلك مختص بالمكان وكذا قوله تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} [3] فالصدق بين المراد.
ومثال الثاني قول الشريف الرضي [4] :
أعزز عليّ بأن أراك وقد خلا ... عن جانبيك مقاعد العوّاد
فإن «خلا» إضافتها إلى العواد، قرينة، لكنها ضعيفة من جهة أن المقاعد أضيفت إلى من يصح استعمالها فيه بالمعنى المستقبح، بخلاف الآية المذكورة، فإنها مضافة إلى ما لا يصح استعماله فيه بذلك المعنى: وهو القتال، ولو قال الشريف الرضي: مجالس، أو مواطن، عوض مقاعد، لخلص من هذه المعرة. ولو لم يذكر القرينة في شعره، لكان أمره أخف وأسهل.
(1) سورة آل القمر آية 55.
(2) سورة العنكبوت آية 58.
(3) سورة القمر آية 55.
(4) هذا البيت من قصيدة يرثى بها الصابي الكاتب ومطلعها:
أعلمت من حملوا على الأعواد؟ ... أرأيت كيف خبا ضياء النادي؟