فإن قلت: فما تقول في قوله عليه السلام: «حوّلوا مقعدتي قبل القبلة» [1]
أمستكره هو أم لا؟ قلت: لا لأن المراد بها الموضع الذي يقعد فيه لقضاء الحاجة، وهو مستعار من اللفظ الذي تتحامى ذكره [2] ، والمستعار له حكم المستعار منه للترابط بينهما، فكأنه صرح بالمستعار منه وهو: العجيزة، ولو صرح بذلك لم يكن مستكرها شرعا، كقوله لا تقل: أهريق الماء، ولكن قل: أبول.
وقوله لماعز: أنكتها؟ ولم يكنّ [3] . بخلاف ما نحن فيه فإن كلامنا في ذكر معنى حسن بلفظ يوهم معنى مستكرها من غير رابط بينهما، فاعرف ذلك.
واعلم أنه قد ورد شيء من هذا الباب مهمل بغير قرينة، كقول تأبّط شرا:
أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطالبي ويومي ضيق الجحر معور [4]
فقال ابن الأثير [5] : لا تفيد القرينة هذا شيئا، ولا تزيل ما عليه من الكراهة، وما فيها من القبح لمبادرة الذهن منه إلى المحل المخصوص من الحيوان بكل حال.
وفي هذا نظر، بل لهذا حكم غيره مما تزيل القرينة كراهيته كقولهم:
جحر ضبّ خرب
وقول الآخر:
فكنت كالمولج في جحر يدا ... فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا
(1) عن عائشة رضي الله عنها قالت: ذكر عند رسول الله قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة، فقال «أراهم قد فعلوها. استقبلوا بمقعدتي القبلة» سنن ابن ماجة 1/ 117عيسى الحلبي.
(2) في الأصل: من اللفظ التي نتحامى ذكرها.
(3) في الأصل: ولا تكنى وهو تحريف.
(4) ديوان الحماسة 1/ 26، لحيان: بطن من هذيل، وصفرت وطابي: كناية عن خلو قبله من محبتهم. معور:
باد عورته، وهي مكان المخافة منه.
(5) الجامع الكبير ص 54.