أحدها: أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم كانت مدة إنذاره لقومه قصيرة، فعقب عملهم على مكانتهم بوعيدهم بالفاء إشارة إلى قرب نزول الوعيد بهم. وشعيب صلّى الله عليه وسلّم طالت مدته في قومه، فاستأنف لهم ذكر الوعيد، كأنه قال: سننزل بكم الوعيد، وإن طالت بكم المدة في مخالفتي وجدالي.
الثاني: أن شعيبا عليه السلام قال ذلك من عنده لأن الله تعالى قال عنه:
{يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكَانَتِكُمْ} والنبي صلّى الله عليه وسلّم أمره الله أن يقول لهم ذلك لأنه قال: «قل يا قوم اعملوا» وتخصيصات الله تعالى لا تستلزم التعليل، فلعله عليه السلام لو قال ذلك من عنده، كما قاله شعيب كذلك، لقال كما قال.
الثالث: لعل قوم شعيب سألوه السؤال المتقدم، فأجابهم بهذا الجواب، والفاء لا يحسن فيه، ومحمد صلّى الله عليه وسلّم لم يقل ذلك جوابا لقومه عن سؤال، بل هو كلام مبتدأ مرتبط بعضه ببعض، ولا يحسن بدون الفاء. والشاهد قواعد العربية.
في نحو: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} [1] وفي الشعراء {إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [2] .
وذكر ابن الأثير [3] لهذا قاعدة، حاصلها: أن كل اسم نكرة جاء خبرها جملة بعد إلا، جاز إثبات الواو فيه وحذفها، نحو: ما رأيت رجلا إلا وعليه ثياب، وإلا عليه ثياب. وكذا في التنزيه، نحو: لا رجل أو ما من رجل إلا هو أو وهو قائم.
فإن كان الفعل القائم على النكرة ناقصا كظننت، وكان وأخواتها وكذا إنّ وأخواتها، لزم حذف الواو، نحو: ما أظن درهما إلا هو كافيك لأن مثل ذلك يتعلق بشيئين، فلا يعترض فيه بالواو لئلا يشبه المتعلق بشيء واحد.
(1) سورة الحجر آية 4.
(2) سورة الشعراء آية 208.
(3) المثل السائر 2/ 330والجامع الكبير ص 140.