النوع الثاني: ما ليس بإعادة اسم ولا صفة، كقوله تعالى إخبارا عن حبيب [1]
رجل يس {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} إلى قوله: {فَاسْمَعُونِ} [2] كأن قائلا قال: فما كان جزاء هذا الرجل مع جوده بنفسه في طاعة ربه؟ فقال: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} ثم كأن السّائل سأل، فقال: مجرد دخول الجنة لا يلقى مثل هذا، إذ من يعمل دون عمله يدخلها، فبم اختصّ عن غيره؟ فقال: {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} أي: رأى من الإكرام ما تمنّى معه أن يعلم قومه بحاله فيفعلون كفعله ليحصل لهم ما حصل له.
ومنه قوله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام أنه قال: {يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ (سَوْفَ) تَعْلَمُونَ} [3] كأنه قال: اعملوا إني عامل، قالوا له:
وما يكون إذا كنت عاملا؟ قال لهم: سوف تعلمون ما يكون. وقد جاء في القرآن:
«فسوف تعلمون» بالفاء، وهو وصل ظاهر، والأولى وصل خفي باستئناف ظاهر، وهو أبلغ الوصلين لتضمنه من جهتين.
قال ابن الأثير [4] : وأما الوصل في هذه الآية ونظائرها، تارة بالفاء، وتارة بالاستئناف تفنّنا في البلاغة على عادة العرب في تفننها.
قلت: ويمكن أن يقال: إن شعيبا عليه السلام لما كثرت مراجعة قومه له على ما حكي عنه في سورة هود، ناسب اختصاص قصته الاستئناف الذي هو أبلغ من الانذار والوعيد، لكن يرد على هذا أن قريشا كانت أشد مجادلة لمحمد صلّى الله عليه وسلّم من سائر الأمم لأنبيائها، ولما قال لهم هذا الكلام قاله بالفاء. ويمكن الجواب عنه بوجوه:
(1) يقصد بذلك حبيب النجار انظر ص 180.
(2) سورة يس الآية 2722وتمام الآيات { «أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ، قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ» .}
(3) سورة الزمر الآية 39.
(4) الجامع الكبير ص 139.