ومنه: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} [1] أي: إذا أردت القراءة، فالقراءة مسبب عن الإرادة.
وقول من حمله على ظاهره من تعقيب القراءة بالاستعاذة ضعيف [2] إذ المعقول من أمره بالاستعاذة من الشيطان الاعتصام من كيده، وأن يعرض له في قراءته فيخلطها عليه، كما يغلب عليه في صلاته ليقطعها، وكما خلط عليه في سورة النجم، حتى قرأ فيها: «تلك الغرانيق العلى، إنّ شفاعتهم لترتجى» فإذا أخّرها إلى أن يفضي إلى القراءة فأتت تلك الفائدة [3] .
ومنه قوله تعالى: {فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا} [4] أي: لا تكن تابعا ضعيفا في دينك، بحيث يؤثر فيك من يصدّك عنها، فاللين في الدين سبب تأثير قول الصاد الذي هو سبب الانصداد. وهذه أعجب صور هذا الضرب لأنها تضمنت الاكتفاء بالمسبب عن ذكر السبب البعيد بمرتبتين، فتأمله، والله أعلم.
وهو في اللغة: الإخفاء والستر، تشبيها بالسر في الضمير. قال الأعشى حكاية عن ابنته [5] :
أيا أبتا لا ترم عندنا ... فإنّا بخير إذا لم ترم
نراك إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم
(1) سورة النحل آية 98.
(2) أي إذا تعوّذت فاقرأ.
(3) لأن كل مستعيذ بالله لا تجب عليه القراءة، فإذا فاتت الاستعاذة دون قراءة فاتت الفائدة.
(4) سورة طه آية 16.
(5) من قصيدة يمدح بها قيس بن معد يكرب مطلعها:
أتهجر غانية أم تلم ... أم الحبل واه بها منجذم
ديوانه ص 4.