صحيحان يحصل بهما تمييز الطاعة من العصيان، والكفر من الإيمان، وهذا من خرج الجواب عن بقية سؤالك.
الثالث: لعله تعالى جعل إنزال هذا القسم شركا من أشراك الضلال، يوقع فيه من يعترض عليه به، مثل هذا السائل الذي وظيفته الانقياد والتسليم لأمر مولاه الذي لا يسأل عما يفعل، وقد وقع ذلك منه بإخباره الصادق عن نفسه حيث يقول:
{وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [1] فجعل منّه على المستضعفين سبيا لإضلال المعترضين المكذبين، وكذلك قوله تعالى: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} [2] .
الرابع: لو فرضنا أن ليس في إنزاله حكمة تظهر لنا، لكن يجب حمله على حكمة خفيت عنا، لقيام الدليل على حكمته تعالى، وأنه لا يفعل شيئا عبثا لا لحكمة، ولو ذهب ذاهب إلى إنكار الحكمة في كل فعل لم تظهر له حكمته، لكان حينئذ مدّعيا مساواة الله تعالى في علمه، ومشاركته في معلوماته، ودعوى ذلك كفر، هذا كله إن قلنا: إن أفعال الله تعالى معللة، وإن قلنا: إنها لا تعلل استرحنا من الجواب عن هذا السؤال أصلا، إذا ثبت هذا وأن في القرآن ما يحتاج إلى التفسير، فاعلم أنه قد ثبت عن ابن مسعود [3] رضي الله عنه أنه قال: كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها، وهذا نقل عن الصحابة رضي الله عنهم، وظاهره أنهم كانوا يأخذون ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، مع احتمال أنهم كانوا يأخذونه عن غيره من الصحابة، أو عنه عليه السلام وعن غيره، فإنه كان على عهده صلّى الله عليه وسلّم من يؤخذ عنه العلم ويفتي من الصحابة رضوان الله عليهم، وأشد الأحوال ما ادعيناه: أنهم كانوا يأخذونه عنه عليه السلام، وأنه لم يمت حتى أخذ عنه تفسير القرآن حرفا حرفا،
لكن مع ذلك فإنا نجزم أن في
(1) سورة الأنعام آية 53.
(2) سورة الحج آية 53.
(3) يكنى أبا عبد الرحمن، شهد مع الرسول عليه السلام بدرا وبيعة الرضوان وجميع المشاهد وكان على قضاء الكوفة وبيت مالها في عهد عمر وصدرا من خلافة عثمان وتوفى بالمدينة سنة 22هـ ودفن بالبقيع.
المعارف 109الطبعة الأولى.