{أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [1] . أو لغرابة في اللفظ نحو {ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} [2] ، {ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} [3] ، {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [4] وهو المحتاج إلى التفسير.
فإن قلت ما فائدة ورود هذه الأقسام التي يحتاج بعض قرّائها إلى التفسير في القرآن، وهو إنما ترك لتكليف الخلق بالعمل بمضمونه، وقد كان إنزاله جميعه متضحا عريا عن الإشكال والإجمال كالقسم الأول، أحرى أن تبادر الأفهام إلى معناه، فتبادر القلوب والأبدان إلى امتثال مقتضاه؟. قلت: فائدته من وجوه:
أحدها: أن القرآن نزل بلسان العرب ولغتهم، وهي مشتملة على القسمين: أعني المتضح وغيره، وكلاهما عندهم بليغ حسن في موضعه كما سيأتي في القسم الثالث إن شاء الله تعالى، فلو خلا القرآن من أحدهما، لكان مقصرا عن رتبة اللغة. فلا يصلح إذن للإعجاز.
الثاني: أنه تعالى أنزل المتضح ليتعبد المكلفون بالعمل به بادئ الرأي: أعني على الفور من غير احتياج إلى نظر، وأنزل غير المتضح الذي يمكن التوصل إلى معرفة معناه بالنظر ليتعبد العلماء بالاجتهاد في استخراج معناه، والمقلدون لهم بتقليدهم فيه، وتلقينهم له عنهم بالقبول، فيعظم أجر الفريقين ما دام تعبدهم به، وأنزل ما استند بتأويله كالمتشابه ليتعبد الجميع بالإيمان، ولهذا أثنى على المؤمنين به بقوله تعالى:
{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [5] على ما قررناه في كتاب بغية السائل [6] ، وحينئذ لا تنافي بين هذا وبين قولك: إنما أنزل لتكليف الخلق بالعمل بمضمونه لأن العمل بمضمون المفهوم منه، والإيمان بغير المفهوم منه، تعبدان
(1) سورة المائدة آية 116.
(2) سورة هود آية 77.
(3) سورة الذاريات آية 59، والذنوب: النصيب، وأصله الدلو العظيمة فيها الماء. انظر غريب القرآن 94.
(4) سورة المدثر 51قسورة: الأسد، فعولة من القسر وهو القهر.
(5) سورة آل عمران آية 7.
(6) اسم الكتاب: «بغية السائل في أمهات المسائل» للمؤلف.