مثال الأول: قول هود لقومه: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ} [1] ولم يقل: «وأشهدكم» قطعا، بعطف المستقبل على مثله المشعر باستواء الشاهدين في الصدق، وعدولا إلى الاستهزاء بهم وتهكمهم، إذ شهادتهم لا تأثير لها، ولا اعتبار بها، كما تقول لعدول «اشهد أني أحبك» .
ومثال الثاني: أن يستنيب الحاكم عاصيا عن معصيته، فيقول العاصي» إني أشهد هؤلاء الناس، واشهد أيها الحاكم، أني لا أعود إلى مثل ما فعلت» فإن ذلك يفيد تفخيم حال الحاكم وزيادة تعظيمه على غيره ممن أشهده، وقريب من هذا قوله تعالى:
{فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} ، {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [2] في دلالة الكلام على أن الثاني أفخم من الأول.
الضرب الثالث: في الالتفات من خطاب التثنية إلى خطاب الجمع، ثم إلى خطاب الواحد. فمنه قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا. وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [3] . فعدل عن المثنى وهو «تبوّءا لقومكما» إلى الجمع بقوله «واجعلوا» وذلك لأن موسى وهارون هما اللذان يقرران قواعد النبوة: ويحكمان مباني الشريعة، فخصهما بذلك، ثم خاطب الجميع باتخاذ البيوت قبلة للعبادة إذ الجميع مأمورون بها عموما، ثم قال لموسى وحده «وبشر المؤمنين» لأنه الرسول الحقيقي الذي إليه البشارة والإنذار والإيراد والإصدار.
وهارون وزير في الحقيقة كما صرح به النص.
وقال تعالى: {إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ} [4] لكون كل منهما منعوتا في الرسالة لكن أحدهما للتبليغ، والآخر ردء، ومصدق، ومساعد له.
(1) سورة هود آية 54.
(2) سورة آل عمران 81، 82
(3) سورة يونس آية 87.
(4) سورة طه آية 47.