لتعجبهم من فعلهم وكفرهم إذ لو استمر على خطابهم لفاتت تلك الفائدة، إذ الإنسان يحب نفسه، لا ينكر عليها ولا يستعظم منها العظائم، بل من غيره، ودليله في الحديث «ما بال أحدكم يرى القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع في عين نفسه» [1] .
وفي الشعر:
أرى كل إنسان يرى عيب غيره ... ويعمى عن العيب الذي هو فيه
وذكر ابن الأثير [2] من ذلك قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} [3] معناه: وتقطعتم عطفا على الأول، لكن التفت إلى أسلوب الغيبة كأنه ينعى عليهم كفرهم، وافتراقهم إلى قوم آخرين، وتقبحه عندهم مبالغة في تبكيتهم، ثم توعدهم بالرجوع إليه، وهذا وإن كان محتملا، إلا أن ظاهر الكلام وسياقه خلافه، وهو أنه تعالى خاطب المؤمنين بأن الأمة واحدة، وأنه الرب المستحق بأن يبقى ويعبد، ثم أخبر المؤمنين عن الكافرين بأنهم تقطعوا أمرهم بينهم وأنهم فرقوا دينهم وكانوا شيعا. وعدلوا بالعبادة والتقوى عن مستحقها، ووضعوها في غير حقها، وفعلوا من التقوى خلاف ما يقتضيه اتحاد الأمة، والله أعلم.
الضرب الثاني: المعدل عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر تهاونا بصاحبه، أو تعظيما [4] لشأنه.
(1) جاء في اللسان وفي الحديث «يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ويعمى عن الجذع في عينه» ضربه مثلا لمن يرى الصغير من عيوب الناس ويعيرهم به، وفيه من العيوب ما نسبته إليه كنسبة الجذع إلى القذاة. والقذى جمع قذاة وهو ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تين أو وسخ أو غير ذلك. مادة قذى.
(2) الجامع الكبير ص 100
(3) سورة الأنبياء آية 93
(4) في الأصل وتعظيما لشأنه وهذا لا يستقيم.