فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 381

وأما فائدة «إياك نعبد» مع ما قبله من خطاب الغيبة، فمن وجهين:

أحدهما: أنهم لما وصفوا الله تعالى بخصائص الربوبية، وصفات الأهلية بأسلوب الغيبة ليكون أدل على صدقهم وإخلاصهم في ذلك، مما إذا خاطبوه به إذ المخاطب بالمدح قد يراقب فيداجي، ويخالف لسانه قلبه، بخلاف المادح في الغيبة حيث عدلوا حال الإخبار والسؤال إلى الخطاب لأنه أدل على الخضوع، والضراعة، وشدة الرغبة، ومسيس الحاجة، كما تقول لملك أنعم عليك «أنا شاكر للملك المعظم الجواد، مالك الرعايا والملوك، بك أيها الملك المتصف بهذه الصفات، أستعين على أموري، وإليك ألجأ من جميع محاذيري» .

الثاني: أن أسلوب الخطاب أخص من أسلوب الغيبة، والعبادة أخص من الحمد والثناء، إذ الإنسان يحمد نظيره ولا يعبده، فاستعمل الأسلوب الأخص في ذكر الفعل الأخص.

ومنها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [1] إلى قوله:

{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} ولم يقل: «فامنوا بالله ربي» لفائدتين:

إحداهما: دفع التهمة عن نفسه بالعصبة لها.

الثانية: تنبيههم على استحقاقه الاتباع لما اتصف به من الصفات المذكورة من النبوة والأمية التي هي أكبر دليل على صدقه. وأنه لا يستحق الاتباع لذاته، بل لهذه الخصائص التي بمن قامت وجب اتباعه، نحو ما أشرنا إليه في قول القائل «مثلي لا يفعل كذا وكذا» في الفرع الثاني من فروع الإرداف من باب الكناية.

ومنها قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} الآية [2] وفائدة ذلك العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم،

(1) سورة الأعراف آية 158.

(2) سورة يونس آية 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت