فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 381

مبالغة في تحقيق إثارة الرياح السحاب للسامعين، وتقرير تصوره في أذهانهم.

فإن قلت: أهم الأفعال المذكورة إحياء الأرض، وقد ذكره بلفظ الماضي، وما قررتموه يقتضي أولوية ذكره بلفظ المضارع، إذ هو أهمّ، وإثارة السحاب سبب بعيد على مرتبتين.

قلت: لا نسلم أهمية إحياء الأرض، بل إثارة السحاب أهم وذلك لأن الله تعالى ذكر هذا الكلام في معرض آيات قدرته ليدل على اقتداره على البعث والنشور بالقياس على إحياء الأرض بعد موتها، بالمقدمات المذكورة، وأهمها وأدلها على القدرة أعجبها، وأبعدها عن القدرة والتصور البشريين، وإثارة السحاب أعجبها، فكانت أولى بالتحقيق بالتخصيص بالفعل المضارع. وإنما قلنا إن إثارة السحاب أعجب لأن سببها أخفى من حيث إنا نعلم بالفعل أن نزول الماء سبب اخضرار الأرض، وإثارة السحاب وسوقه سبب نزول الماء، أما إثارة السحاب، فلو خلينا وظاهر العقل، لم نعلم أن الرياح سببها لعدم إحساسنا مادة السحاب وجهته، ولطافة الريح عن إدراك الحس، وإنما نبهنا على سبب ذلك بهذا النص وأشباهه، لأن ما قرره الفلاسفة والطبيعيون في ذلك، فإنه إنما أفاد وهما أو ظنا، لا علما، والله أعلم.

ومنه قول تأبط شرا [1] :

بأنّي قد لقيت الغول تهوى ... بسهب كالصحيفة صحصحان [2]

فأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران [3]

لم يقل: فضربها، بل قال: فأضربها تقريرا في أذهان قومه الذين أخبرهم حاله

(1) اسمه ثابت ولقب «تأبط شرا» لأنه تأبط ذات يوم سكينا وخرج فسئلت عنه أمه فقالت: لا أدري، إنه تأبط شرا وخرج، والبيتان من جملة أبيات أولها:

ألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحى بطان؟

الأغاني 18/ 210.

(2) ذكرت في الأصل: بشهب، وهو تصحيف، والسهب: الأرض المستوية. والصحصحان: الأرض المستوية الواسعة.

(3) الجران: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت