{تَعْبُدُونَ} من آلهتكم {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ} في المستقبل {مَا أَعْبُدُ} ويكون هذا إخبارا لهم بدوامهم على الكفر مثل: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [1] .
فإن قلت: فقد أخبر بهذا من أسلم بعد ذلك، فما صح الإخبار، فلا يكون هذا إخبارا كما ذكرت.
قلت: هذه الدعوى تحتاج إلى نقل، ونحن نمنعه، والأصل عدمه، ولئن ثبت، كان ذلك تخصيصا، وتبين أن المراد بالإخبار من لم يسلم كقوله: «ولن تفعلوا» فإن السؤال وارد فيها أيضا، ثم قال: «ولا أنا عابد» في الحال «ما عبدتم. ولا أنتم عابدون» في الحال «ما أعبد» حالا واستقبالا، ويكون هذا إخبارا له باستمراره على عبادة الله تعالى، فحاصل هذا: قل لهم: أي لا أوافقكم ولا توافقونني لا حالا ولا استقبالا وهو قريب من معنى قوله: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} [2] .
وقال ابن الأثير [3] : «ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد» معناه: لم نعهد منكم في الماضي عبادة ما أنا عابده الآن، ولا متى في الماضي عبادة ما أنتم عابدون الآن، فكيف أعبد في الإسلام شيئا لم أعبده في الجاهلية، وهذا قريب يحتمل لأن دلالة اللفظ قاصرة عنه لوجهين:
أحدهما: أنه قال: «ولا أنا عابد. ولا أنتم عابدون» ، ولم يقل: ما كنت عابدا ولا كنتم عابدين، فلا يفيد [4] المضي صيغة أو قرينة ولا واحد منهما.
الثاني: أن اسم الفاعل وهو: عابد وعابدون أظهر في الدلالة على الحال منه على المضي خصوصا وهو منون.
(1) سورة البقرة آية 24.
(2) سورة البقرة الآية 145.
(3) الجامع الكبير 205.
(4) في الأصل: وإنما يفيد المضي. وهو لا يتمشى مع الغرض المراد