جريان الوجود على نظام واحد لا يختلف، وجعل هذا دليلا معتمدا في العقليات، فما ظنك بهذا العلم الإقناعي.
وعن الثاني: لا نسلم إدراك جودة اللفظ بدون سماعه، وإنما يدرك جودة معناه لأن آلة إدراكه العقل، فاشتبه عليك أحد الادراكين بالآخر. ولئن سلمناه، لكن الإنسان بمجرد أن يدرك اللفظة مكتوبة، يعرضها بطريق التقدير والتصوير على مخارج ألفاظها، فيعلم حكمها من جودة ورداءة سريعا لكثرة مباشرته للألفاظ والنطق بها، ولهذا فإن أحدنا إذا استصعب عليه هجاء لفظة، لكثرة حروفها نحو «فسيكفيكهم» [1]
و «أنلزمكموها» [2] يتهجاها بأن يتصور حروفها في ذهنه، ويجعل كل حرف في رتبته، فيحصل له معرفة هجائها وإن لم ينطق به، ولأن آلة إدراك اللفظ: النطق، كما أن آلة إدراك المعنى: الذهن، وحسنهما فرع عليها، فلو جاز أن يدرك حسن اللفظ بدون آلته التي هي النطق، لجاز أن يدرك حسن المعنى بدون آلته التي هي الذهن والتعقل، وهو محال، وهذا واضح لمن عقل وأنصف.
واعلم أن توجيه الخفاجي مبني على قاعدة لطيفة، وهي أن الحواس الخمس بمنزلة الجواسيس للنفس، يلقى إليها ما تدركه [3] ، وقد علمنا بالطبع أن النفس ترتاح للأخبار المستغربة المتباينة، وتمل وتمج الكلام المعاد، كما قال بعضهم في ذلك:
إذا جلست إلى قوم لتؤنسهم ... بما تحدّث من ماض ومن آت
فلا تعيدن حديثا إن سمعهم ... موكّل بمعاداة المعادات
ولا شك أن الحروف المتقاربة في معنى المعاداة المتماثلة، ولهذا وقع الإدغام في المتماثلين، نحو: شدّ يشدّ. وفي المتقاربين نحو [4] . فثبت أن السمع والنفس
(1) سورة البقرة آية 137
(2) سورة هود آية 28.
(3) في الأصل: ما تذكره وهو تصحيف من الناسخ.
(4) كلمتان غير واضحتين، ومن الحروف المتقاربة الهاء والحاء فتدغم الهاء في الحاء، تقول في «أجبه حميدا» أجبحّميدا، فالحاء من وسط الحلق والهاء من أوله انظر المقتضب 207، والكتاب 4122