غالب ما ينسب إليه الشيب: المفرق، ولأن دلالة الرأس على جميع أجزائه دلالة عموم، وهي ظنية، فأحب أن ينص على ذكر الجزء المهم، وهو المفرق.
وفي الثاني: يمكن منع أنه لا فضل للرقطة على غيرها من الألوان، بأن الحوّائيين:
وهم أهل الصناعة نصوا على أن تفاوت ألوان الحيات وأخلاقها، يدل على تفاوتها في الخبث والشر، واختلافها، ولهذا يضرب المثل بالحيات «الغبر» التي على لون الأرض، ويشهد لذلك ما ذكره الأطباء: من أن اسوداد الشعر يحدث عن احتراق شديد من حرارة قوته، والأحمر عن حرارة أقل، والأصفر من حرارة دون ما قبلها، والشيب من ضعف الحرارة الغريزية، وإذا كان اختلاف هذه الكيفيات الباطنة يؤثر في اختلاف الأعراض الظاهرة: من سواد وبياض ونحوهما، فليكن اختلاف الأعراض الظاهرة دليلا على اختلاف الكيفيات الباطنة، بطريق دلالة الأثر على المؤثر، وحينئذ لا ينقد مثل ذلك في الحيات، وأن ابن هانئ علم أن للرقطة دلالة على زيادة الخبث، ويؤكد ذلك أمور:
منها أنهم منعوا صرف أفعى، وليس صفة، لكن توهموا فيه معنى الخبث استدلالا على خبثه بصفاته، إما لونه أو سرعة حركته.
ومنها: أنهم أكثروا من ذكر الأسود في أمثالهم وغيرها، ففي الحديث: «أعوذ بك من شر أسد وأسود، وجن وعفريت» [1] وفي الشّعر:
تساقوا على حرد دماء الأساود [2]
وفيه:
فكنت كالمولج في جحر يدا ... فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا
وهو دليل على أنهم استدلوا بسواده على غلبة شره، كدلالة سواد الآدمي أو شعره على حرارة باطنه، والله أعلم.
(1) رواه عبد الله بن عمر بلفظ مختلف، سنن أبي داود 493 ط السعادة.
(2) والشطر الأول من البيت.
أسود شرى لاقت أسود خفية. انظر ص 153 من هذا الكتاب