فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 381

وعلمه ونحوهما، إن أكد فزيادة مبالغة [1] ، وإن لم يؤكد فلاستغنائه بنفسه عن التوكيد، وذلك لا يوجب نقض ما قلناه.

قلت: وهذا قريب، ومثاله من جهة الحسّ: أن تبسط حصيرا والريح ساكنة، تعلم قطعا أنها لا تقوى على إزالته، فإما أن تنقله بأخرة ونحوه احتياطا، وإما أن لا تنقله معه لما علمناه.

الوجه الثاني: وهو المختار، أن قوله تعالى: {إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ثناء منه على نفسه. وقوله: {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} حكاية لثناء عيسى عليه السلام، وفرق بين ثناء العبد على سيده، وثناء السيد على نفسه إذ قد تنزل فيه المبالغة لتمام تصرفه في نفسه من تلك الجهة، والعبد ينبغي له المبالغة في ذلك، وأقل مراتبه أن يكون حسن أدب، ألا ترى أن الإنسان قد يثني على نفسه فيقول «لعمري لست بجبان ولا بخيل» ولو أثنى عليه عبده أو غيره بذلك، لكان من حسن الأدب المبالغة فيه، فيقول «إنك لأسد ثائر عند اللقاء، بحر زاخر عند العطاء» ، ولهذا لما ضايق الأنصار النبي صلّى الله عليه وسلّم يسألونه العطاء، حتى خطفت الشجرة رداءه، قال:

«ردّوا عليّ ردائي، فو الذي نفسي بيده لو أن لي مثل هذه العضاة نعما، لقسمتها فيكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا» [2] . ولما وصفه بعض الصحابة رضي الله عنهم بذلك، قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أجود بالخير من الريح المرسلة. وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة.

وقال علي رضي الله عنه: كنا إذا اشتد البأس اتّقينا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان

(1) الجامع الكبير ص 155.

(2) هو رواية محمد بن جبير قال: أخبرني جبير بن مطعم: أنه بينما هو يسير مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعه الناس مقفلة من حنين فعلقه الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال:

أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا، والعضاة: شجر ذو شوك. أخرجه البخاري. انظر فتح الباري ابن حجر 6/ 375ط مصطفى الحلبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت