فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 381

ومن هذا الباب سؤال اشتهر لكثرة دورانه بين كثير من الناس، وتقريره: ما وجه تأكيد الإخبار بالموت، باللام، دون الإخبار بالبعث في قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [1] .

وقد كان العكس أولى وأنسب؟ إذ البعث مختلف فيه، وهو أحوج إلى التأكيد، بخلاف الموت، فإنه لمشاهدته وتحققه عند كل أحد مستغن عن التأكيد، ولقد سئلت عن هذا مرارا فلم يخطر لي [2] ما يكافئه، ولم أسمع ممن سئل عنه أيضا له جوابا مكافئا، غير أجوبة لفظية لا طائل تحتها.

وأصل هذا السؤال فيما نقلت عن كثير من الزنادقة الطاعنين في القرآن، ثم بعد النظر والتأمل خطر لي جوابان: معنوي ولفظي.

أما الأول: المعنوي، فتقريره: أن المكلفين لم يسمعوا هذا الكلام ولا غيره من القرآن من الله تعالى، ولا من جبريل عليه السلام وإنما سمعوه من الرسول صلّى الله عليه وسلّم وحينئذ نقول: إن إخبار الرسول صلّى الله عليه وسلّم بهذا الكلام المتضمن لوقوع البعث، إما أن يكون لمن قد آمن به وصدقه في أنه رسول معصوم، أو لمن كذبه في ذلك، ولم يصدقه، فإن كان إخباره بذلك لمن صدقه، كأبي بكر مثلا، لم يحتج في تصديقه بالبعث إلى التأكيد باللام ولا غيرها.

وإن كان لمن كذبه كأبي جهل مثلا، فإنه لا يصدق بالبعث، ولو أكد بجميع أدوات التأكيد، وحينئذ لا يظهر لتأكده أثر طردا ولا عكسا، إثباتا ولا نفيا، فالسؤال إذن ساقط من أصله، أو غير وارد.

فإن قلت: لا نسلم الحصر فيما ذكرت لجواز أن يخبر بذلك من ليس مصدقا له ولا مكذبا، بل هو في مهلة النظر والتروي في أمره: هل هو صادق، أو لا؟، وحينئذ كان ينبغي تأكد البعث ليكون أدعى لهذا الشخص إلى التصديق والانقياد.

(1) سورة المؤمنون آية 16.

(2) في الأصل: فلم يخطر له. وهو لا يتمشى مع السياق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت