فما أغنى عن الفرزدق تغطية عنقفته شيئا.
ومن الإرصاد قوله تعالى: {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} [1] فالسامع لهذا يدري أن آخر الآية «يظلمون» .
وقوله تعالى: {كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا. وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ} [2]
فالسامع لهذا يعلم أن بعده: بيت العنكبوت.
ونظائر هذا كثيرة وهذا مما يدل على براعة الناظم والناثر لأن أول الكلام لا يدل على آخره، إلا لشدة ارتباطه به، وذلك أعلى مطالب هذا العلم كما سبق.
وفي الافتخار بذلك قال ابن نباتة الشاعر [3] :
خذها إذا أنشدت في القوم من طرب ... صدورها عرفت منها قوافيها
ينسى لها الراكب العجلان حاجته ... ويصبح الحاسد الغضبان يطريها
وأبو هلال [4] سمّى هذا النوع «التوشيح» ، وتسميته بالإرصاد أولى لأن السامع يرصد القافية في نفسه، أي: يعدها بالحدس حتى يحققها بالحسّ.
والتوشيح يأتي ذكره، وقريب من هذا تسمية الغانمي [5] ذكر الشاعر زيادة لأجل القافية يتم المعنى بدونها «تبليغا» ، ومثله بقول امرئ القيس [6] :
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقّب
(1) سورة التوبة آية 70وتمامها «ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» .
(2) سورة العنكبوت آية 41.
(3) يتيمة الدهر 2/ 379ط الصاوي.
(4) الصناعتين ص 382.
(5) هو أبو العلاء بن غانم المعروف بالغانمي، اللباب 1663
(6) من قصيدة مطلعها:
خليلي مرّا بي على أم جندب ... نقضّ لبانات الفؤاد المعذب
ديوانه ص 53.