إن كان فيه آحاد ضعيفة، أو شيء عن أصحاب التواريخ والسير غير مفيد للعلم بصحة ما دلّ عليه، أو ظنه بدليل خارج من قرينة عقلية أو غيرها، أو تأويل مختلف فيه متعارض عن العلماء، نظرنا: فإن كان ما ورد فيه من الأحاديث الضعيفة والتواريخ والسير المذكورة موافقا للمفهوم من ظاهر الكلام، أو من فحواه، أو معقوله، حمل الكلام على ما فهم منه، وكان الخبر الضعيف ونحوه مؤكدا لما استفيد من اللفظ، وإن لم يكن موافقا للمفهوم من ظاهر اللفظ أو معقوله ألغي لضعفه وضعف ما يفيده الظن إن أفاده، واعتبر مفهوم ظاهر الكلام لقوته وقوة ما يفيده من ظن أن المراد ما لم يمنع منه مانع أقوى منه إذ المقصود من الكلام الإفهام، والظاهر من المتكلم الحكيم إرادة ظاهر الكلام. وأما ما ورد فيه التأويل المختلف عن العلماء، فذلك الاختلاف إما أن يشتمل على التناقض والتضاد أو لا فإن اشتمل عليه «كالقرء» التي صيّر في تأويلها إلى الحيض مرة، وإلى الإطهار أخرى، كان أحد النقيضين أو الضدين متعينا للإرادة لاستحالة الامتثال بالجمع بينهما، وحينئذ يجب التوصل إلى المراد المتعين بطريق قوي راجح من الطرق المتقدّم ذكرها أو غيرها إن أمكن، وإن لم يشتمل على التناقض بل كان مجرد اختلاف، وتعدّد أقوال، فإن احتمل اللفظ جميعها وأمكن أن تكون مرادة منه، وجب حمله على جميعها ما أمكن، سواء كان احتماله لها مساويا، أو كان في بعضها أرجح من بعض، وإلا فحمله على بعضها دون بعض إلغاء للفظ بالنسبة إلى بعض محتملاته من غير موجب، وهو غير جائز، ولأنه لو جاز أن يكون مرادا، فإعمال اللفظ بالنسبة إليه أحوط من إهماله، نعم إن كان احتماله لها متفاوتا في الرجحان، جاز في مقام الترجيح تقديم الأرجح فالأرجح بحسب دلالة اللفظ عليه، أو جلالة قائله، أو عاضده الخارجي، وغير ذلك من وجوه الترجيحات. ومثال ذلك، أعني: احتمال اللفظ للوجوه المتعددة قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [1] . قيل هي:
مساقط النجوم في المغرب، وقيل: إن منه نزول القرآن لأنه نزل في ثلاث وعشرين سنة [2] فاللفظ يحتمل القولين فيجوز أن يكون القسم بهما مرادا لله عز وجل لأنهما
(1) سورة الواقعة آية 75.
(2) في الأصل: لأنه نزل نحو ما في ثلاث وعشرين سنة.