قَوْله تَعَالَى: {إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : كَيفَ طلب الْمَغْفِرَة لَهُم، وهم كفار؟ وَكَيف قَالَ: {وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم} وَهَذَا لَا يَلِيق بسؤال الْمَغْفِرَة؟
قيل: أما الأول فَمَعْنَى قَوْله: وَإِن تغْفر لَهُم، يَعْنِي: بعد الْإِيمَان، وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم على قَول السّديّ؛ لِأَن الْإِيمَان لَا ينفع فِي الْقِيَامَة، وَالصَّحِيح آخر الْقَوْلَيْنِ، قَالَ بَعضهم: هَذَا فِي فريقين مِنْهُم فَقَوله: {إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك} يَعْنِي: من كفر مِنْهُم {وَإِن تغْفر لَهُم} يَعْنِي: من آمن مِنْهُم. وَقَالَ أهل الْمعَانِي من أَرْبَاب النَّحْو: لَيْسَ هَذَا على وَجه طلب الْمَغْفِرَة، وَإِنَّمَا هَذَا على تَسْلِيم الْأَمر إِلَيْهِ، وتفويضه إِلَى مُرَاده؛ أَلا ترَاهُ يَقُول:"فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم"وَلَو كَانَ على وَجه طلب الْمَغْفِرَة لقَالَ:"فَإنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم".
وَأما السُّؤَال الثَّانِي: اعْلَم أَن فِي مصحف ابْن مَسْعُود:"وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم"وَكَانَ ابْن شنبوذ يقْرَأ كَذَلِك زَمَانا بِبَغْدَاد؛ فَمنع عَنهُ، وَفِيه قصَّة، (وَقيل) : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِير الْآيَة: إِن تغْفر لَهُم فَإِنَّهُم عِبَادك، وَإِن تُعَذبهُمْ فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم. وَقيل: مَعْنَاهُ: إِن تغْفر لَهُم لَا ينقص من عزك شَيْء وَلَا يخرج من حكمتك. وَيدخل فِي حِكْمَة الله - تَعَالَى - وسعة رَحمته أَن يغْفر للْكفَّار، وَلكنه أخبر أَن لَا يغْفر، وَهُوَ لَا يخلف خَبره وَمن قَالَ: إِنَّه على تَسْلِيم الْأَمر لَا على وَجه طلب الْمَغْفِرَة، استقام النّظم على قَوْله، كَمَا بَينا.