قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) }
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ يكون الصُّلْح فتحا؟ وَإِن كَانَ فتحا للْمُسلمين فَهُوَ فتح للْكفَّار أَيْضا؛ لِأَن الصُّلْح يشْتَمل على الْجَانِبَيْنِ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه قد أشكل هَذَا على عمر،"فَإِنَّهُ لما أنزل الله تَعَالَى هَذِه السُّورَة، قَالَ عمر: يَا رَسُول الله، أفتح هُوَ؟"
قَالَ: نعم"."
وَقيل: إِنَّه أعظم فتح كَانَ فِي الْإِسْلَام؛ لِأَنَّهُ لما صَالح مَعَ الْمُشْركين ووداعهم فَكَانَ قد صَالح على وضع الْحَرْب عشر سِنِين، فاختلط الْمُشْركُونَ مَعَ الْمُسلمين بعد ذَلِك، وسمعوا الْقُرْآن، وَرَأَوا مَا عَلَيْهِ رَسُول الله وَأَصْحَابه فرغبوا فِي الْإِسْلَام، وَأسلم فِي مُدَّة الصُّلْح من الْمُشْركين أَكثر مِمَّا كَانَ أسلم فِي مُدَّة الْحَرْب، وَكثر سَواد الْإِسْلَام، وَأسلم فِي هَذِه الْمدَّة: خَالِد بن الْوَلِيد، وَعَمْرو بن الْعَاصِ، وَعُثْمَان بن طَلْحَة الْعَبدَرِي، وَكثير من وُجُوه الْمُشْركين، وَقد كَانَ فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة بيعَة الرضْوَان، ووعد فتح خَيْبَر وَظُهُور الرّوم على الْفرس، وَكَانَ ذَلِك من معجزات الرَّسُول، وَكَانَ ذَلِك مِمَّا سر الْمُسلمين وساء الْمُشْركين؛ لِأَن الْمُسلمين كَانُوا يودون ظُهُور أهل الْكتاب، وَالْمُشْرِكُونَ كَانُوا يودون ظُهُور الْفرس والعجم فحقق الله مَا يوده الْمُسلمُونَ وَكَانَ الْمُشْركُونَ قَالُوا حِين ظَهرت الْفرس على الرّوم: كَمَا ظهر الْفرس على الرّوم كَذَلِك نَحن نظهر عَلَيْكُم، فحين أظهر الله الرّوم على الْفرس كَانَ ذَلِك عَلامَة لظُهُور الْمُسلمين على الْمُشْركين. وَقيل فِي الْحُدَيْبِيَة: هُوَ إِبَاحَة الْحلق والنحر قبل بُلُوغ الْهَدْي مَحَله، وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن المُرَاد من الْفَتْح هُوَ فتح مَكَّة، وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى وعده فتح مَكَّة فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة.