يختلف باختلاف الموصوف كسائر الصفات لا بحسب الوضع"اعلم أن المجوزين تمسكوا بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب:56] فإن الصلاة من الله تعالى رحمة، ومن الملائكة استغفار، وقد أوردوا على هذه الآية من قبلنا إشكالا فاسدا، وهو أن هذا ليس من المتنازع فيه فإن الفعل متعدد بتعدد الضمائر فكأنه كرر لفظ يصلي، وأجابوا عن هذا بأن التعدد بحسب المعنى لا بحسب اللفظ لعدم الاحتياج إلى هذا، وهذا الإشكال من قبلنا فاسد لأنا لا نجوز في مثل هذه الصورة أي في صورة تعدد الضمائر أيضا فتكون الآية من المتنازع فيه، والجواب الصحيح لنا أن في الآية لم يوجد استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد لأن سياق الآية لإيجاب اقتداء المؤمنين بالله تعالى، وملائكته في الصلاة على النبي عليه السلام فلا بد من اتحاد معنى الصلاة من الجميع لأنه لو قيل إن الله تعالى يرحم النبي والملائكة يستغفرون له يا أيها الذين آمنوا ادعوا له لكان هذا الكلام في غاية الركاكة فعلم أنه لا بد من اتحاد معنى الصلاة سواء كان معنى حقيقيا أو معنى مجازيا أما الحقيقي فهو الدعاء فالمراد والله أعلم أنه تعالى يدعو ذاته بإيصال الخير إلى النبي عليه السلام ثم من لوازم هذا الدعاء الرحمة فالذي قال: إن الصلاة من الله تعالى"
ليس هاهنا مجموع يراد باللفظ فيدخل فيه كل واحد من المعنيين بخلاف العام، وفيه نظر لأنه إن كان هنا مجموع يراد باللفظ، ويغاير كلا من المعنيين فقد تم الاعتراض، وإن لم يكن لم يتحقق المعنى المجازي المراد فلم يلزم الجمع بين الحقيقة، والمجاز إلا وجه أن يقال محل النزاع هو استعمال المشترك في المعنيين أو المعاني أو أكثر على أن يكون كل منهما مرادا باللفظ، ومناطا للحكم لا داخلا تحت معنى ثالث هو المراد، والمناط، واستعماله في المعنيين على هذا الوجه بطريق المجاز لا يتصور إلا بأن تكون بين المعنيين علاقة فيراد أحدهما على أنه نفس الموضوع له، والآخر على أنه يناسب الموضوع له بعلاقة فهذا جمع بين الحقيقة، والمجاز إذ لو أريد كل واحد على أنه نفس الموضوع له كان اللفظ حقيقة لا مجازا، والتقدير بخلافه، ولو أريد كل واحد على أنه مناسب للموضوع له فلذلك إما أن يكون باستعمال اللفظ في معنى مجازي يتناولهما لكونهما من أفراده، وقد عرفت أنه ليس محل النزاع. وأما باستعماله في كل منهما على أنه معنى مجازي بالاستقلال، وسيجيء أن استعمال اللفظ في معنيين مجازيين باطل بالاتفاق فإن قيل لم لا يجوز أن يكون لزوم الجمع بين الحقيقة، والمجاز بأن يستعمل في المجموع باعتبار إطلاق اسم البعض على الكل فيكون حقيقة كل واحد مجازا في المجموع من غير اعتبار الوضع الثالث، والعلاقة قلنا سيجيء أن إطلاق اسم البعض على الكل مشروط بلزوم، واتصال بينهما كما بين الرقبة، والشخص بخلاف إطلاق الواحد على الاثنين، وإطلاق الأرض على مجموع السماء، والأرض فإنه لا قائل بصحته على أنه حينئذ يعود الاعتراض السابق على ما نقل عن المصنف.
قوله:"لكان هذا الكلام في غاية الركاكة"لأن إيجاب الاقتداء إنما هو بالحمل، والتحريض على ما صدر عن المقتدى به إذ لا إيجاب اقتداء في مثل فلان يصلي فاقرءوا القرآن، وفيه نظر لأن ركاكة الكلام، وعدم إيجاب الاقتداء عند اختلاف معاني الأفعال المذكورة إنما يلزم إذا لم يكن بينهما