فهرس الكتاب

الصفحة 841 من 865

منشأ الخلاف ودليل الإمام

وهذا بناء على أن الإنسان يمنع عن التصرف في ملكه بما يضر جاره عند أبي يوسف رحمه الله تعالى وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يحجر؛ لأن السفه لما كان مكابرة وتركا للواجب عن علم لم يكن سببا للنظر وما ذكر من النظر حقا له فذلك جائز لا واجب كما في صاحب الكبيرة.

وإنما يحسن إذا لم يتضمن ضررا فوقه وهو إهدار الأهلية والعبارة، والأهلية

ـــــــ

فإن العفو عن القصاص فيه حسن فغاية فعل السفيه ارتكاب الكبيرة ومرتكب الكبيرة إذا كان مؤمنا يستحق النظر إليه"وقياسا"عطف على قوله حقا له"على منع المال وأيضا صحة العبارة لأجل النفع فإذا صارت ضررا يجب دفعها, وأيضا حقا للمسلمين"فإن السفهاء إذا لم يحجروا أسرفوا فتركب عليهم الديون فتضيع أموال المسلمين في ذمتهم: مثل أن يشتري جارية بألف دينار ولا فلس له فيعتقها في الحال كما فعله واحد من ظرفاء طلبة العلم في

ينفقونها فيما لا ينبغي, وإضافة الأموال إلى الأولياء على معنى أنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم كما قال الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ; ولأنهم المتصرفون فيها القوامون عليها, ثم علق إيتاء الأموال إياهم بإيناس رشد, وصلاح منهم على وجه التنكير المفيد للتقليل حيث قال الله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} أي: إن عرفتم, ورأيتم فيهم صلاحا في العقل, وحفظا للمال {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} , فأقام أبو حنيفة رحمه الله تعالى السبب الظاهر للرشد, وهو أن يبلغ سن الجدودة, فإنه لا ينفك عن الرشد إلا نادرا مقام الرشد على ما هو المتعارف في الشرع من تعلق الأحكام بالغالب فقال يدفع إليه المال بعد خمس, وعشرين سنة أونس منه الرشد أو لم يؤنس, وهما تمسكا بظاهر الآية فقالا لا يدفع إليه المال ما لم يؤنس منه الرشد, ثم بعد الإجماع على منع مال من بلغ سفيها اختلفوا في حجر من صار سفيها بعد البلوغ فجوزه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تمسكا بوجوه: الأول, هذا الحجر بطريق النظر دون العقوبة والزجر والسفيه وإن لم يستحق النظر له من جهة أنه فاسق لكن يستحق النظر من جهة دينه, ومن جهة أنه مسلم, ولهذا جاز عفو الله تعالى في الآخرة عن صاحب الكبيرة, وإن لم يتب, وحسن عفو الولي, والمجني عليه في الدنيا عن القصاص, والجنايات, ولا شك أن المسلم حال السفه يفتقر إلى النظر له فيحجر. الثاني, القياس على منع المال فإنه إنما منع عنه ليبقى ملكه, ولا يزول بالإتلاف فلا بد من منع نفاذ التصرفات, وإلا لأبطل ملكه بإتلافه بالتصرفات, ولم يكن المولى في الحفظ إلا الكلفة, والمؤنة.

الثالث: أنه إنما صحح عبارات العاقل, وجوز تصرفاته ليكون نفعا له بتحصيل المطالب فإذا صار ذلك ضررا عليه كان نفعه في الحجر, فيجب. الرابع أن في الحجر دفع الضرر عن أهل الإسلام فإن السفيه بإتلافه, وإسرافه يصير مطية لديون الناس, ومظنة لوجوب النفقة عليه من بيت المال, فيصير على المسلمين وبالا, وعلى بيت مالهم عيالا كما حكاه المصنف رحمه الله تعالى فإنه, وإن كان حذاقة, واحتيالا في الوصول إلى المقصود لكنه سفه من جهة أن من لا يملك فلسا قد أعتق جارية بألف دينار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت