فصل: والنهي إما عن الحسيات
كالزنا وشرب الخمر فيقتضي القبح لعينه اتفاقا إلا بدليل أن النهي لقبح غيره فهو إن كان وصفا فكالأول لا إن كان مجاورا كقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} وأما عن الشرعيات كالصوم والبيع
ـــــــ
بالمعنى الشرعي، فإن قيل النهي عن البيع مثلا ليس إلا عن التصرف الحسي فأما المعنى الشرعي فلا قدرة للعبد عليه فكيف يصح النهي عنه قلنا الشارع قد وضع اللفظ لإنشاء البيع بمعنى أنه كلما وجد هذا اللفظ من الأهل مضافا إلى المحل يوجد إنشاء البيع الشرعي قطعا فالقدرة حاصلة على إنشاء المعنى الشرعي بأن يتكلم باللفظ الموضوع له مضافا إلى المحل الصالح له، فإذا كان المعنى الشرعي مقدورا يصح أن يكون منهيا عنه، ثم بتبعية هذا النهي يكون التكلم باللفظ منهيا عنه؛ لأنه إن تكلم به يثبت به ما هو المنهي عنه وهو الإنشاء فإذا تكلم به ثبت المعنى الموضوع له، وهو الإنشاء الشرعي، ونظيره الطلاق في حالة الحيض.
"ولأن النهي يدل على كونه معصية لا على كونه غير مفيد لحكمه كالملك مثلا فنقول بصحته لإباحته، والقبح مقتضى النهي فلا يثبت على وجه يبطل النهي"، وقد ثبت فيما مضى أن الأمر يقتضي كون المأمور به حسنا قبل الأمر، والنهي يقتضي كونه قبيحا قبله خلافا
أن العبد مأمور بالصوم وليس في وسعه إلا الإمساك مع النية في النهار، فأما صيرورته عبادة فإلى الشارع ففي يوم النحر لما زال إذن الشارع لم يبق صوما مشروعا مع بقاء تصور الفعل من العبد، واعترض عليه بأن النهي ورد عن مطلق الصوم فيحمل على حقيقته، والفعل المخصوص بدون اعتبار الشرع لا يسمى صوما كالإمساك مع النية في الليل، وجوابه أنه لا حقيقة للصوم شرعا إلا الإمساك من الفجر إلى المغرب مع النية، وهذا متصور من العبد، وقد نهاه الشارع عنه حتى صار يوم النحر بمنزلة الليل فلا يكون عبادة يترتب عليها الثواب.
وحاصل الاستدلال وجهان: أحدهما أن النهي لو لم يدل على الصحة لكان المنهي عنه غير الشرعي أي غير المعتبر في الشرع؛ لأن الشرعي المعتبر هو الصحيح واللازم باطل؛ لأنا نعلم قطعا أن المنهي عنه في صوم يوم النحر وصلاة الأوقات المكروهة إنما هو الصوم، والصلاة الشرعيان لا الإمساك والدعاء، وثانيهما أنه لو لم يكن صحيحا لكان ممتنعا فلا يمنع عنه؛ لأن المنع عن الممتنع عبث، والجواب عن الأول أن الشرعي ليس معناه المعتبر شرعا بل ما يسميه الشارع بذلك الاسم، وهو الصورة المعنية، والحالة المخصوصة صحت أم لا نقول صلاة صحيحة وصلاة غير صحيحة، وصلاة الجنب، وصلاة الحائض باطلة، وعن الثاني أنه ممتنع بهذا المعنى، وإنما المحال منع الممتنع بغير هذا المعنى كالحاصل يمتنع تحصيله إذا كان حاصلا بغير هذا التحصيل.
قوله:"ولأن النهي"جواب عن كلام الخصم لا استدلال على اقتضاء النهي الصحة، وكذا قوله والقبح مقتضى النهي لكنه لا يصلح لإلزام الخصم؛ لأنه لا يقول بالقبح لذاته بل الفعل إنما يحسن للأمر، ويقبح للنهي، وحاصل الكلام أنه إن أريد بالصحة إمكان المعنى الذي يسمى في الشرع