فصل: اختلفوا في الأمر والنهي هل لهما حكم في الضد أم لا؟
والصحيح أنه إن فوت المقصود بالأمر يحرم، وإن فوت عدمه المقصود بالنهي يجب، وإن لم يفوت فالأمر يقتضي كراهته، والنهي كونه سنة مؤكدة لأنه لما لم يقصد الضد لا يعتبر إلا من حيث يفوت المقصود فيكون هذا القدر مقتضى الأمر والنهي، وإذا لم يفوت المقصود نقول بكراهته وكونه سنة مؤكدة ملاحظة لظاهر الأمر والنهي فقوله
ـــــــ
ضمان المدبر في مقابلة إزالة ملك اليد فلا يرد الإشكال المذكور، ثم أجاب عن استيلاء الكفار بقوله."وأما الاستيلاء فإنما نهي لعصمة أموالنا، وهي غير ثابتة في زعمهم أو هي ثابتة ما دام محرزا، وقد زال فسقط النهي في حق الدنيا"أما في حق الآخرة فلا حتى يكون آثما مؤاخذا به، وأجاب عن سفر المعصية بقوله"وسفر المعصية قبيح لمجاوره"على ما بيناه من قبل.
"فصل: اختلفوا في الأمر والنهي هل لهما حكم في الضد أم لا، والصحيح أنه إن فوت"
عند احتمال إيجاد شرطه أعني تمليك العين كما في القن، ولا يجعل بدلا عنه عند عدمه كالمدبر وأم الولد.
قوله:"وأما الاستيلاء"يعني لا نسلم أنه لا دليل على كون الاستيلاء منهيا عنه لغيره، فإن الإجماع على ثبوت الملك بالاستيلاء على المال المباح، وعلى الصيد دليل على أن النهي عنه لغيره، وهو عصمة المحل أعني كون الشيء محرم التعرض محضا لحق الشرع أو لحق العبد، وعصمة أموالنا غير ثابتة في زعمهم؛ لأنهم يعتقدون إباحتها وتملكها بالاستيلاء فكانوا في حق الخطاب بثبوت عصمة أموالنا بمنزلة من لم يبلغه الخطاب من المؤمنين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام فيكون استيلاؤهم عليها كاستيلائهم على الصيد، ولما كان هنا مظنة أن يقال لا نسلم أن العصمة غير ثابتة في زعمهم بل هم يعرفون ذلك، وإنما يجحدون عنادا أشار إلى جواب آخر، وهو أن العصمة إنما تثبت ما دام المال محرزا باليد عليه حقيقة أو بالدار، وبعد استيلائهم وإحرازهم إياه بدار الحرب قد زال الإحراز الذي هو سبب العصمة فسقطت العصمة فلم يبق الاستيلاء محظورا، والاستيلاء فعل ممتد له حكم الابتداء في حالة البقاء فصار بعد الإحراز بدار الحرب كأنه استولى على مال غير معصوم ابتداء فيملكه كالمسلم للصيد.
قوله:"وسفر المعصية"ليس بمنهي عنه لذاته ولا لجزئه بل لمجاوره على ما سبق.
قوله:"فصل اختلفوا"في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده وبالعكس، وليس الخلاف في المفهومين للقطع بأن مفهوم الأمر بالشيء مخالف لمفهوم النهي عن ضده، ولا في اللفظين للقطع بأن صيغة الأمر افعل وصيغة النهي لا تفعل، وإنما الخلاف في أن الشيء المعين إذا أمر به فهل هو نهي عن الشيء المضاد له فقيل إنه ليس نفس النهي عن ضده، ولا متضمنا له عقلا، وقيل نفسه وقيل يتضمنه، ثم اقتصر قوم على هذا، وقال آخرون إن النهي عن الشيء نفس الأمر