ولما كان السفر بالاختيار قيل: إذا شرع المسافر في صوم رمضان لا يحل له الفطر بخلاف المريض لكن إذا أفطر يصير السفر شبهة في الكفارة فإذا سافر الصائم لا يفطر بخلاف ما إذا مرض لكن إن أفطر لا كفارة عليه وإذا أفطر ثم سافر لم تسقط بخلاف ما إذا مرض وأحكام السفر تثبت بالخروج بالسنة المشهورة، وإن لم
ـــــــ
أن الصحيح إذا أفطر حكمنا عليه بوجوب الكفارة لكن إذا مرض في هذا اليوم تسقط الكفارة; لأنه تبين بعروض المرض أن الصوم لم يكن واجبا عليه في هذا اليوم بخلاف عروض السفر فإنه أمر اختياري, والمرض ضروري"وأحكام السفر تثبت بالخروج بالسنة المشهورة, وإن لم يتم السفر علة"والسنة المشهورة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم ترخصوا برخص المسافر بمجاوزتهم العمران, والقياس أن لا يثبت القصر إلا بعد مضي مدة السفر; لأن حكم العلة لا يثبت قبلها لكن ترك القياس بما روينا"ثم إذا نوى الإقامة قبل الثلاثة تصح, وإن كان في غير موضع الإقامة قبل ثلاثة أيام منع الثلاثة ويشترط موضع الإقامة; لأن الأول منع"أي: نية الإقامة, وإن نواها بعد للسفر"وهذا رفع"أي: نية الإقامة بعد ثلاثة أيام رفع للسفر, والمنع أسهل من الرفع"وسفر المعصية يوجب الرخصة وقد مر"أي: في فصل النهي"على أن المعصية منفصلة عنه فإن البغي وقطع الطريق, والتمرد معصية, وإن كانت في المصر والرجل قد يخرج غازيا ثم يستقبله غيره, فيقطع عليهم فصار النهي عن هذا السفر لمعنى في غيره من"
تاركهما, الثالث أن النبي عليه الصلاة والسلام سماها صدقة حيث قال:"إنها صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقة الله"1, والصدقة فيما لا يحتمل التمليك إسقاط لا غير, الرابع أن التخيير إنما شرع فيما يكون للعبد فيه يسر كخصال الكفارة, وصوم رمضان, وهاهنا لا يسر في الإكمال فلا فائدة في التخيير, وقد سبق ذلك في بحث الرخصة.
قوله:"ولما كان السفر بالاختيار"يعني: فرق بين المسافر, والمريض بأن المسافر إن نوى صوم رمضان شرع فيه أي: لم يفسخه قبل انفجار الصبح لا يجوز له الإفطار بخلاف المريض, وذلك; لأن الضرر في المريض مما لا مدفع له فربما يتوهم قبل الشروع أنه لا يلحقه الضرر, وبعد الشروع علم لحوق الضرر من حيث لا مدفع له بخلاف المسافر فإنه يتمكن من دفع الضرر الداعي إلى الإفطار بأن لا يسافر, ولفظ قيل يوهم أن هذا قول البعض, وليس كذلك بل المراد أنه حكم بذلك, وكذا لفظ فخر الإسلام رحمه الله تعالى قيل له معناه حكم للمسافر, وأفتى في حقه, وضبط المسائل في هذا المقام: أن العذر, إما أن يكون قائما في أول اليوم أو لا فإن كان قائما فإن ترك الصوم, فله
ـــــــ
1 رواه مسلم في كتاب المسافرين حديث 4. أبو داود في كتاب السفر باب 1. الترمذي في كتاب تفسير سورة 4 باب 20. النسائي في كتاب الخوف باب 1. ابن ماجه في كتاب الإقامة باب 73.