وأما الذي من غيره فالإكراه وهو إما ملجئ بأن يكون بفوت النفس أو العضو وهذا معدم للرضا ومفسد للاختيار وإما غير ملجئ بأن يكون بحبس أو قيد أو ضرب وهذا معدم للرضا غير مفسد للاختيار.
ـــــــ
ملجئ بأن يكون بحبس أو قيد أو ضرب وهذا معدم للرضا غير مفسد للاختيار, والإكراه بهما لا ينافي الأهلية ولا الخطاب; لأن المكره عليه إما فرض"كما إذا أكره على شرب الخمر بالقتل"أو مباح"كما إذا أكره على الإفطار في شهر رمضان"أو مرخص"كما إذا أكره على إجراء كلمة الكفر"أو حرام"كما إذا أكره على قتل مسلم بغير الحق حتى"يؤجر مرة, ويأثم أخرى, ولا الاختيار"أي: لا ينافي الاختيار"لأنه حل على اختيار الأهون وأصل الشافعي في
قوله:"وأما الذي من غيره"أي: القسم الثاني من العوارض المكتسبة, وهو الذي يكون من غير المكلف هو الإكراه, وهو حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه, ولا يختار مباشرته لو خلي ونفسه, فيكون معدما للرضى لا للاختيار إذ الفعل يصدر عنه باختياره لكنه قد يفسد الاختيار بأن يجعله مستندا إلى اختيار آخر, وقد لا يفسد بأن يبقى الفاعل مستقلا في قصده, وحقيقة الاختيار هو القصد إلى مقدور متردد بين الوجود, والعدم بترجيح أحد جانبيه على الآخر فإن استقل الفاعل في قصده فصحيح, وإلا ففاسد, وبهذا الاعتبار يكون الإكراه إما ملجئا بأن يضطر الفاعل إلى مباشرة الفعل خوفا من فوات النفس أو ما هو في معناها كالعضو, وإما غير ملجئ بأن يتمكن الفاعل من الصبر من غير فوات النفس أو العضو, وهو سواء كان ملجئا أو غير ملجئ لا ينافي أهلية الوجوب, ولا الخطاب بالأداء لبقاء الذمة, والعقل, والبلوغ, ولأن ما أكره عليه إما فرض أو مباح أو رخصة أو حرام, وكل ذلك من آثار الخطاب حتى أنه يؤخر على ذلك الفعل المكره عليه مرة كما إذا كان فرضا كالإكراه بالقتل على شرب الخمر ويأثم مرة أخرى كما إذا كان حراما كالإكراه على قتل مسلم بغير حق أو يؤجر على الترك في الحرام, والرخصة, ويأثم في الفرض, والمباح, وكل من الأجر, والإثم إنما يكون بعد تعلق الخطاب, والمراد بالإباحة أنه يجوز له الفعل, ولو تركه وصبر حتى قتل لم يأثم ولم يؤجر, وبالرخصة أنه يجوز له الفعل لكن لو صبر حتى قتل يؤجر عملا بالعزيمة, وبهذا يسقط الاعتراض بأنه إن أريد بالإباحة أنه يجوز له الفعل, ولو تركه, وصبر حتى قتل لا يأثم فهو معنى الرخصة, وإن أريد أنه لو تركه يأثم, وهو معنى الفرض, وقال الإمام البرغري رحمه الله تعالى: إن فعل المكره مباح كالقتل, والزنا, وفرض كشرب الخمر, وأكل الميتة, ومرخص له كإجراء كلمة الكفر, والإفطار, وإتلاف مال الغير, ولعل فخر الإسلام رحمه الله تعالى إنما فرق بين كلمة الكفر, والإفطار للفرق بينهما قبل الإكراه حيث تسقط حرمة الإفطار بالعذر كالسفر, والمرض بخلاف حرمة كلمة الكفر فإنها لا تسقط قبل الإكراه بحال.
قوله:"ولا الاختيار"أي: الإكراه, ولا ينافي الاختيار; لأنه حمل للفاعل على أن يختار ما هو أهون