فهرس الكتاب

الصفحة 761 من 865

أي نور يحصل بإشراق العقل الذي أخبر النبي عليه السلام أنه من أوائل المخلوقات فكما أن العين مدركة بالقوة فإذا وجد النور الحسي يخرج إدراكها إلى الفعل فكذا القلب طريق يبتدأ به فابتداء درك الحواس ارتسام المحسوس في الحاسة الظاهرة ونهايته ارتسامه في الحواس الباطنة، وحينئذ بداية تصرف القلب فيه بواسطة العقل بأن يدرك من الشاهد أو ينتزع الكليات من تلك الجزئيات المحسوسة.

ـــــــ

الذي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه من أوائل المخلوقات فيكون المراد بالنور المنور كما فسر في قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} .

وأيضا قد يطلق العقل على الأثر الفائض من هذا الجوهر في الإنسان فيمكن أن يراد

وسكناته, وكلامه إلى غير ذلك من المعاني المتفاوتة, والمقاربة فاحتج في هذا المقام إلى تفسير العقل فقالوا:

هو نور يضيء به طريق يبتدأ به من حيث ينتهي إليه درك الحواس فيتبدى المطلوب للقلب فيدركه القلب بتأمله, وبتوفيق الله تعالى, ومعنى ذلك أنها قوة للنفس بها ينتقل من الضروريات إلى النظريات إلا أنه لما كان ظاهر هذا التفسير أخفى من العقل احتاج المصنف رحمه الله تعالى إلى توضيحه, وتبيين المراد منه فزعم أنه يحتمل أن يراد بالعقل هاهنا ذلك الجوهر المجرد الذي هو أول المخلوقات على أن يكون النور بمعنى المنور, ولا يخفى بعد هذا الاحتمال عن الصواب فإنهم جعلوا العقل من صفات الراوي, والمكلف ثم فسروه بهذا التفسير, ويحتمل أن يراد به الأثر الفائض من هذا الجوهر على نفس الإنسان كما ذكره الحكماء من أن العقل الفعال هو الذي يؤثر في النفس, ويعدها للإدراك, وحال نفوسنا بالإضافة إليه حال أبصارنا بالنسبة إلى الشمس فكما أن بإفاضة نور الشمس تدرك المحسوسات كذلك بإفاضة نوره تدرك المعقولات فقوله نور أي قوة شبيهة بالنور في أنه بها يحصل الإدراك. يضيء أي يصير ذا ضوء به أي بذلك النور. طريق يبتدأ به أي بذلك الطريق والمراد به الأفكار, وترتيب المبادئ الموصلة إلى المطالب, ومعنى إضاءتها صيرورتها بحيث يهتدي القلب إليها, ويتمكن من ترتيبها وسلوكها توصيلا إلى المطلوب, وقوله من حيث ينتهي إليه متعلق يبتدأ, والضمير في إليه عائد إلى حيث أي من محل ينتهي إليه إدراك الحواس فيتبدى أي يظهر المطلوب للقلب أي الروح المسمى بالقوة العاقلة, والنفس الناطقة فيدركه القلب بتأمله أي التفاته إليه, والتوجه نحوه بتوفيق الله تعالى وإلهامه لا بتأثير النفس أو توليدها فإن الأفكار معدات للنفس, وفيضان المطلوب إنما هو بإلهام الله تعالى.

واعلم أن العقل الذي يحصل الإدراك بإشراقه, وإفاضة نوره, ويكون نسبته إلى النفوس نسبة الشمس إلى الأبصار على ما ذكره الحكماء هو العقل العاشر المسمى بالعقل الفعال لا العقل الذي هو أول المخلوقات ففي كلام المصنف رحمه الله تعالى تسامح.

قوله:"وقد يطلق العقل على قوة للنفس بها تكسب العلوم"إشارة إلى معنى آخر للعقل باعتباره يحصل للنفس مراتبها الأربع فعلى ما سبق كان حاصل معناه حصول شرائط الوصول إلى المطلوب, وانكشاف الحجب عنه بينه وبين المطالب, والتهدي إلى طريق التوصل إلى المقاصد, وأما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت