فهرس الكتاب

الصفحة 791 من 865

ومنها الإغماء وهو ضرب من المرض.

فيبطل العبادات ويوجب الحدث في كل حال ولما كان نادرا في الصلاة يمنع البناء وهو في القياس لا يسقط شيئا من الواجبات كالنوم وفي الاستحسان يسقط ما فيه حرج، وهو في الصلاة بأن يمتد حتى يزيد على يوم وليلة وفي الصوم والزكاة لا يعتبر؛ لأنه يندر وجوده شهرا أو سنة.

ـــــــ

والمحركة حركة إرادية بسبب مرض يعرض للدماغ أو القلب"وهو ضرب من المرض"حتى لم يعصم منه النبي عليه الصلاة والسلام وهو فوق النوم فيما ذكرنا; لأن النوم حالة طبيعية يتعطل معها القوى المدركة بسبب ترقي البخارات إلى الدماغ, ولما كان النوم حالة طبيعية كثيرة الوقوع, وسببه شيء لطيف سريع الزوال والإغماء على خلافه في جميع هذه الأمور كان الإغماء فوق النوم ألا ترى أن التنبيه والانتباه من النوم في غاية السرعة أما التنبيه من الإغماء فغير ممكن", فيبطل العبادات ويوجب الحدث في كل حال"أي: سواء كان قائما أو راكعا أو ساجدا أو متكئا أو مستندا بخلاف النوم, وإنما جعلناه كذلك لما ذكرنا من قوة سبب الإغماء وكثافته, ولطافة سبب النوم فمنافاة الإغماء تماسك اليقظة أشد من منافاة النوم إياه فجعل الإغماء حدثا في كل حال لا النوم, وأيضا كثرة وقوع النوم وقلة الإغماء توجب ذلك دفعا للحرج

النائم في الصلاة تبطل الوضوء والصلاة جميعا أما الوضوء فبالنص الغير الفارق بين النوم, واليقظة, وأما الصلاة فلأن النائم فيها بمنزلة المستيقظ, وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى تفسد الوضوء دون الصلاة حتى كان له أن يتوضأ, ويبني على صلاته; لأن فساد الصلاة بالقهقهة مبني على أن فيها معنى الكلام, وقد زال ذلك بزوال الاختيار في النوم بخلاف الحدث فإنه لا يفتقر إلى الاختيار, وقيل: على العكس, ولما كان في القهقهة من معنى الكلام حتى كأنها من جنس العبارات صح تفريع مسألة القهقهة على إبطال النوم عبارات النائم.

قوله:"ومنها الإغماء"اعلم أنه ينبعث عن القلب بخار لطيف يتكون من ألطف أجزاء الأغذية يسمى روحا حيوانيا, وقد أفيضت عليه قوة تسري بسريانه في الأعصاب السارية في أعضاء الإنسان, فينتشر في كل عضو قوة تليق به, ويتم بها منافعه, وهي تنقسم إلى مدركة, ومحركة, أما المدركة فهي: الحواس الظاهرة, والباطنة على ما مر, وأما المحركة فهي التي تحرك الأعضاء بتمديد الأعصاب أو إرخائها لينبسط إلى المطلوب أو ينقبض عن المنافي فمنها ما هي مبدأ الحركة إلى جلب المنافع, ويسمى قوة شهوانية, ومنها ما هي مبدأ الحركة إلى دفع المضار, ويسمى قوة غضبية, وأكثر تعلق المدركة بالدماغ, والمحركة بالقلب فإذا وقعت في القلب أو الدماغ آفة بحيث تتعطل تلك القوى عن أفعالها أو إظهار آثارها كان ذلك إغماء فهو مرض, وليس زوالا للعقل كالجنون, وإلا لعصم منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت