ولنا أن دوام العمل بالعقل بلا سهو، وغفلة أمر لا يوقف عليه إلا بحرج فأقيم البلوغ مقامه لا مقام اليقظة، والرضى فيما يبتنى عليهما كالبيع إذ لا حرج في دركهما وإذا جرى البيع على لسانه خطأ وصدقه خصمه يكون كبيع المكره.
ـــــــ
صادرة عن العقل بلا سهو, وغفلة, وأما إذا كانت صادرة عن سهو وغفلة يجب أن لا تعتبر, ولا يؤاخذ الإنسان بها لقوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} ; ولأن السهو, والغفلة مركوزان في الإنسان, فيكونان عذرا لكن هذا أمر لا يوقف عليه إلا بالحرج, فأقمنا البلوغ مقام دوام العقل من غير سهو وغفلة إقامة للدليل مقام المدلول فإن السهو والغفلة إنما يعرضان لنقصان العقل فإذا كمل العقل بكثرة التجارب عند البلوغ لا يقع السهو, والغفلة إلا نادرا وكل عمل صدر عن العاقل البالغ اعتبر في جميع الأوقات صادرا عن العقل بلا سهو وغفلة, ولم يعتبر أنه ربما يسهو في وقت ما وهذا معنى قوله: أن دوام العمل بالعقل إلخ. وإنما لم نقم البلوغ مقام اليقظة حتى أبطلنا عبارات النائم وكذا لم نقم البلوغ مقام الرضى في التصرفات المبنية على الرضى كالبيع ونحوه إذ لا حرج في درك اليقظة, والرضا ولا يحتاج إلى إقامة الدليل مقامهما فإن الأصل أن الأمور الخفية التي يتعذر الوقوف عليها تقيم ما هو دليل عليها مقامها كالسفر مقام المشقة أما الأمور الظاهرة فلا, وإنما ذكر اليقظة, والرضى دفعا لشبهة الشافعي رحمه الله تعالى فإنه قال لو: قام البلوغ مقام اعتدال العقل لوقع طلاق النائم ولقام البلوغ مقام الرضا فيما يعتمد على الرضا ثم عطف على قوله, ويقع طلاقه, قوله:
"وإذا جرى البيع على لسانه"أي: لسان الخاطئ"خطأ وصدقه خصمه يكون كبيع المكره""وأما الذي من غيره فالإكراه"هذا هو القسم الثاني من العوارض المكتسبة"وهو إما ملجئ بأن يكون بفوت النفس أو العضو وهذا معدم للرضا ومفسد للاختيار وإما غير"
يقظة النائم أمر ظاهر, ولأن الذي يحتاج إلى إثباته في أهلية الأحكام, واعتبار الكلام هو العمل عن قصد, وهو الأمر الباطن الذي يحتاج إلى إقامة شيء مقامه لا حقيقة اليقظة, وكأنه عبر باليقظة عن القصد, واستعمال العقل لما بينهما من الملابسة, والمراد أن السبب الظاهر إنما يقام مقام الشيء عند خفاء وجوده, وعدمه, وعدم القصد في النائم مدرك بلا حرج, وكذا عدم الرضى في المكره.
قوله:"كالبيع"فإنه يعتمد القصد تصحيحا للكلام, ويعتمد الرضى لكونه مما يحتمل الفسخ بخلاف الطلاق فإنه يبتني على القصد دون الرضى فلو أراد أن يقول سبحان الله فجرى على لسانه بعت هذا الشيء منك بكذا, وقبله المخاطب, وصدقه في أن البيع إنما جرى على لسانه خطأ فهو كبيع المكره ينعقد نظرا إلى أصل الاختيار; لأن الكلام صدر عنه باختياره أو بإقامة البلوغ مقام القصد لكن يكون فاسدا غير نافذ لعدم الرضى حقيقة.