فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 865

والمحكم قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقوله عليه الصلاة والسلام:"الجهاد ماض إلى يوم القيامة"والكل يوجب الحكم إلا أنه يظهر التفاوت عند التعارض، وإذا خفي فإن خفي لعارض يسمى خفيا، وإن خفي لنفسه فإن أدرك عقلا فمشكل أو بل نقلا فمجمل أو لا أصلا فمتشابه، فالخفي كآية السرقة خفيت في حق النباش والطرار لاختصاصهما باسم

ـــــــ

بواسطة تأكيد وتأييد يدفع عنه احتمال النسخ والانتقاض. ثم إنه بين وجه زيادة الوضوح في النص، وهو أنه يكون بكونه مسوقا للمراد، ولم يبينه في المفسر، والمحكم؛ لأنه قد يكون بوجوه مختلفة كما إذا كان الكلام في نفسه مما لا يحتمل التأويل، ولا النسخ أو لحقه قول أو فعل قاطع لاحتمال التأويل أو اقترن به ما يمنع التخصيص أو يفيد الدوام، والتأبيد.

قوله:"كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة:275] "مثال للظاهر، والنص، وإشارة إلى أن الكلام الواحد بعينه يجوز أن يكون ظاهرا في معنى، نصا في معنى آخر فإنه ظاهر في حل البيع، وحرمة الربا إلا أنه مسوق للتفرقة بينهما ردا على الكفرة القائلين بتماثلهما، ثم أورد مثالا آخر يكون الظاهر باعتبار لفظ، والنص باعتبار لفظ آخر، وهو قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3] ، أي انكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا فإن لفظ انكحوا ظاهر في حل النكاح إذ ليس الأمر للوجوب إلا أنه مسوق لإثبات العدد فيكون نصا فيه باعتبار قوله مثنى، وثلاث، ورباع. واستدل على كونه مسوقا لإثبات العدد بوجهين: الأول أن حل النكاح قد علم من غير هذه الآية كقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء:24] فالحمل على قصد فائدة جديدة أولى إلا أنه يتوقف على كون هذه الآية متأخرة عن تلك، والثاني أن الأمر إذا أورد بشيء مقيد بقيد ولم يكن ذلك الشيء واجبا فهو لإثبات ذلك القيد كقوله عليه السلام:"بيعوا سواء بسواء"، وهذا يوافق ما قرره أئمة العربية: من أن الكلام إذا اشتمل على قيد زائد على مجرد الإثبات والنفي فذلك القيد هو مناط الإفادة، ومتعلق الإثبات والنفي، ومرجع الصدق والكذب، وقيد الشيء بكونه غير واجب احتراز عن مثل قوله عليه الصلاة والسلام:"أدوا عن كل حر وعبد"الحديث.

قوله:"النظيران الأولان"أورد لكل من المفسر، والمحكم مثالين فالمثال الأول للمفسر هو قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر:30] ، والمثال الأول للمحكم هو قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة:282] ، وللمصنف في التمثيل بهما نظر؛ لأنه إن اشترط في المحكم أن يكون عدم احتمال النسخ باعتبار لفظ دال على الدوام، والتأبيد كما في قوله عليه السلام:"الجهاد ماض إلى يوم القيامة"1 فليس في قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ما يدل عليه فلا يكون محكما، وإن اشترط أن يكون ذلك بحسب محل الكلام بأن يكون المعنى في

ـــــــ

1 رواه البخاري في كتاب الجهاد باب 44، أبو داود في كتاب الجهاد باب 033

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت