فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 865

فحاصل الخلاف في هذه المسألة أن إطلاق الأمر على الإباحة أو الندب أهو بطريق إطلاق اسم الكل على الجزء أم بطريق الاستعارة؟ ومعنى الاستعارة أن تكون علاقة المجاز وصفا بينا مشتركا بين المعنى الحقيقي، والمجازي كالشجاعة بين الإنسان الشجاع، والأسد"والأصح الثاني"، وهو إطلاق اسم الكل على الجزء؛ لأنا سلمنا أن الإباحة مباينة للوجوب فإن معنى الإباحة جواز الفعل، وجواز الترك، ومعنى الوجوب جواز الفعل مع حرمة الترك لكن معنى قولنا أن الأمر للإباحة هو أن الأمر يدل على جزء واحد من الإباحة وهو جواز الفعل فقط لا أنه يدل على كلا جزأيه؛ لأن الأمر لا دلالة له على جواز الترك أصلا بل إنما يثبت جواز الترك بناء على أن هذا الأمر لا يدل على حرمة الترك التي هي جزء آخر للوجوب فيثبت جواز الترك بناء على هذا الأصل لا بلفظ الأمر فجواز الفعل الذي يثبت بالأمر جزء للوجوب فيكون إطلاق لفظ الكل على الجزء، وهذا معنى قوله؛"لأن الأمر دال على جواز"

الندب أو الإباحة من قبيل الاستعارة ليكون مجازا أو من قبيل إطلاق اسم الكل على الجزء ليكون حقيقة قاصرة فذهب البعض إلى أنه استعارة بجامع اشتراك الثلاثة في جواز الفعل إلا أنه في الوجوب مع امتناع الترك وفيهما مع جواز الترك على التساوي في الإباحة، وعلى رجحان الفعل في الندب فكل من الندب، والإباحة مقيد بجواز الترك، ولا يجتمع مع الوجوب المقيد بامتناع الترك فلا يكون جزءا له لامتناع تحقق الكل بدون الجزء فالمراد بالمباينة امتناع اجتماع الإباحة، والوجوب في فعل واحد لامتناع صدق أحدهما على الآخر فإنه لا ينافي الجزئية كالسقف، والبيت.

فالحاصل أن ليس الندب أو الإباحة مجرد جواز الفعل ليكون جزءا للوجوب بمنزلة الجنس بل الثلاثة أنواع متباينة داخلة تحت جنس الحكم يختص الوجوب بامتناع الترك، والندب بجوازه مرجوحا، والإباحة بجوازه على التساوي. ولهذا قال فخر الإسلام رحمه الله تعالى إن معنى الإباحة، والندب من الوجوب بعضه في التقدير كأنه قاصر لا مغاير، ولم يجعله جزءا قاصرا بالتحقيق، وذهب المصنف رحمه الله تعالى إلى ما اختاره فخر الإسلام رحمه الله تعالى، وهو أنه من قبيل إطلاق اسم الكل على الجزء لكن قرره على وجه يندفع عنه الاعتراض السابق، وحاصله أن ليس معنى كون الأمر للندب، والإباحة أنه يدل على جواز الفعل، وجواز الترك مرجوحا أو متساويا حتى يكون المجموع مدلول اللفظ للقطع بأن الصيغة للطلب، ولا دلالة لها على جواز الترك أصلا بل معناه أنه يدل على الجزء الأول من الندب أو الإباحة أعني جواز الفعل الذي هو بمنزلة الجنس لهما، وللوجوب من غير دلالة اللفظ على جواز الترك أو امتناعه، وإنما يثبت جواز الترك بحكم الأصل إذ لا دليل على حرمة الترك، ولا خفاء في أن مجرد جواز الفعل جزء من الوجوب المركب من جواز الفعل مع امتناع الترك فيكون استعماله الصيغة الموضوعة للوجوب في مجرد جواز الفعل من قبيل استعمال الكل في الجزء، ويكون معنى استعمالها في الإباحة أو الندب استعمالها في جزأيهما الذي هو بمنزلة الجنس لهما فيثبت الفصل الذي هو جواز الترك بحكم الأصل لا بدلالة اللفظ، ويثبت رجحان الفعل في الندب بواسطة القرينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت