الرابع مذهب عامة العلماء الحنفية، وهو أن الأمر لا يحتمل العموم، والتكرار بل هو للخصوص، والمرة سواء كان مطلقا مثل ادخل الدار أو معلقا بشرط أو وصف مثل إن دخلت السوق فاشتر اللحم لا يقتضي إلا اشتراء اللحم مرة واحدة، وإنما يستفاد العموم، والتكرار من دليل خارجي كتكرر السبب مثلا، وهذا معنى قول الإمام السرخسي: المذهب الصحيح عندنا أنه لا يوجب التكرار، ولا يحتمله سواء كان مطلقا أو معلقا بشرط أو مخصوصا بصفة إلا أن الأمر بالفعل يقع على أقل جنسه، وهو أدنى ما يعد به ممتثلا، ويحتمل كل الجنس بدليله، وهو النية، وذلك؛ لأن الأمر يدل على مصدر مفرد، والمفرد لا يقع على العدد بل على الواحد حقيقة، وهو المتيقن فيتعين، أو اعتبارا أعني المجموع من حيث هو مجموع فإنه يقال: الحيوان جنس واحد من الأجناس، والطلاق جنس واحد من التصرفات، وكثرة الأجزاء أو الجزئيات لا يمنع الوحدة الاعتبارية، وهو محتمل فلا يثبت إلا بالنية فإن قيل لو لم يحتمل العدد لما صح تفسيره به مثل: طلقي نفسك ثنتين أو صم عشرة أيام أو كل يوم، ونحو ذلك قلنا: لا نسلم أنه تفسير بل تغيير إلى ما لا يحتمله مطلق اللفظ، ولهذا قالوا: إذا قرن بالصيغة ذكر العدد في الإيقاع يكون الوقوع بلفظ العدد لا بالصيغة حتى لو قال لامرأته: طلقتك ثلاثا أو واحدة، وقد ماتت قبل ذكر العدد لم يقع شيء، وأما الفرق بين طلقتك، وطلقي نفسك فقد سبق في بحث الاقتضاء. ولقائل أن يقول لا نسلم؛ أن المفرد لا يقع على العدد فإن المفرد المقترن بشيء من أدوات العموم، والاستغراق يكون بمعنى كل فرد لا بمعنى مجموع الأفراد فإن زعمت أنه أيضا واحد اعتباري فهو المطلوب إذ لا نعني باحتمال الأمر للعموم، والتكرار سوى أنه يراد إيقاع كل فرد من أفراد الفعل.
قوله:"وقوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} قد فرعوا على هذا الأصل، وهو أن اسم الجنس لا يحتمل العدد مسألة عدم قطع يسار السارق في الكرة الثانية، وكلام القوم صريح في ابتنائها على أن المصدر الذي يدل عليه اسم الفاعل، وهو السارق لا يحتمل العدد قال فخر الإسلام رحمه الله تعالى، وعلى هذا يخرج أن كل اسم فاعل دل على أن المصدر لغة مثل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة:38] لم يحتمل العدد أي كل اسم فاعل دل على مصدره لم يحتمل مصدره العدد فاللام في المصدر عوض عن المضاف إليه، وضمير لم يحتمل لمصدره، وبه يحصل الربط فيصح الكلام، والحاصل أن المصدر الذي يدل عليه اسم الفاعل لا يحتمل العدد بمنزلة المصدر الذي يدل عليه الأمر فمعنى السارق الذي سرق سرقة واحدة، ولا يجوز أن يراد الواحد الاعتباري الذي هو مجموع السرقات، وإلا لتوقف قطع السارق على آخر الحياة إذ لا يعلم تحقق جميع سرقاته إلا حينئذ، وهو باطل بالإجماع ثم الواجب بسرقة واحدة قطع يد واحدة بالإجماع فالمعنى الذي سرق، والتي سرقت سرقة واحدة يقطع من كل منهما يد واحدة، وهي اليمنى بدليل الإجماع، والسنة قولا، وفعلا، وقرأ ابن مسعود أيمانهما فلا يكون قطع اليسرى مرادا أصلا، ولا يمكن تكرر الحكم بتكرر السبب لفوات المحل، وهو اليمين بخلاف تكرر الجلد بتكرر الزنا فإن المحل باق، وهو البدن، وكلام المصنف رحمه الله تعالى ظاهر في ابتناء هذه المسألة على مصدر الأمر أعني اقطعوا فإن الواحد الحقيقي متعين للإجماع على أنه لا يقطع بالسرقة إلا يد واحدة، وقطع اليمين مراد إجماعا فلا تدل الآية على قطع اليسار، ولا يتناوله النص، وإنما عدل عن تقرير القوم؛ لأن اسم الفاعل"