"المقدمة الثالثة"لما ثبت أنه لا بد لوجود كل ممكن من شيء يجب عنده وجود ذلك الممكن يلزم أنه لا بد أن يدخل في جملة ما يجب عنده وجود الحادث أمور لا موجودة في الخارج، ولا معدومة كالأمور الإضافية، وهو القول بالحال، وذلك؛ لأن جملة ما يجب عنده وجود زيد الحادث لا يكون تمامها قديما؛ لأن القديم إن أوجبه في وقت معين فحدوثه يتوقف على حصول ذلك الوقت فلا يكون تمام ما يجب عنده قديما، وإن أوجبه لا في وقت معين فحدوثه في وقت معين رجحان من غير مرجح فيكون بعضها حادثة فحينئذ إن لم يدخل في تلك الجملة أمور لا موجودة، ولا معدومة فهي، إما موجودات محضة، وهي مستندة
بالذات بمعنى الاحتياج إليه، ولا فساد في ذلك.
قوله:"مع العلة الناقصة"أو التامة أراد المعية الزمانية، وإلا فالمعلول يتأخر عن العلة بالذات لا محالة.
قوله:"ثم العقل"كأنه تنبيه على منشأ الغلط في سبق الوجوب على الوجود، وذلك أنهما معا معلولا علة واحدة هي المؤثر التام فلا يمكن تحقق بأحدهما بدون الآخر بمنزلة وجود النهار، وإضاءة العالم المعلولين لطلوع الشمس فللعقل أن يعتبرهما معا نظرا إلى ترتبهما على العلة من غير تقدم أحدهما على الآخر، وأن يعتبر أحدهما متأخرا عن الآخر من حيث إنه محتاج إلى الآخر، ومتقدما عليه من حيث إن الآخر محتاج إليه كالإخوة مثلا فإن أخوة زيد مقارنة لأخوة عمرو، ومتأخرة عنها، ومتقدمة عليها لكن بحسب اعتبارات مختلفة، وهذا الذي يقال: له دور المعية فمن نظر إلى احتياج الوجود إلى الوجوب جزم بأنه سابق على الوجود، ولم يلاحظ مقارنتهما بالذات، وتأخر الوجوب أيضا باعتبار الاحتياج إلى الوجود وقد نبهناك على أن الوجود يتوقف على ما لا يتوقف عليه الوجوب، وهو نفس الوجوب فلا يكونان معلولي علة واحدة هي العلة التامة بل العلة المؤثرة، وهذا لا يوجب مقارنتهما، ولا ينافي تقدم أحدهما بمعنى احتياج الآخر إليه، وأيضا لا خفاء في أنه يصح أن يقال: وجب صدوره فوجد دون أن يقال: وجد فوجب صدوره إن توقف المعية لا يقتضي السبق كما بين وجود النهار، وإضاءة العالم، وأن الوجوب، والوجود على تقدير كونهما معلولي علة واحدة لا يجب أن يكونا مضافين اللهم إلا أن يعتبر وصف المقارنة، وهو ليس بلازم.
قوله:"المقدمة الثالثة"أن جملة ما يتوقف عليه وجود الحادث لا بد أن يشتمل على أمر ليس بموجود، ولا معدوم كالإيقاع الذي هو أمر إضافي مثلا، وهذا قول بالحال، وانقسام المفهوم إلى الموجود، والمعدوم والواسطة؛ لأنه إن لم يكن له كون فهو المعدوم، وإلا فإن استقل بالكائنية فموجود، وإلا فحال، وهي صفة غير موجودة، ولا معدومة قائمة بموجود، وتقرير الدليل أن جملة ما يتوقف عليه وجود زيد الحارث لا يمكن أن يكون قديما بجميع أجزائه؛ لأن وقت الحدوث إن كان من جملة ما يتوقف عليه وجود زيد لم يكن المفروض قبل الوقت جملة ما يتوقف عليه هذا خلف، وإن لم يكن من جملتها كان حدوث زيد في ذلك الوقت رجحانا من غير مرجح بمعنى وجود الممكن من غير إيجاد شيء إياه؛ لأنه قبل الوقت لم يكن إيجاد، وبعده لم يتحقق شيء آخر يتوقف عليه الوجود فلزم الوجود بلا إيجاد، وبهذا يندفع ما يقال: لم لا يجوز أن يكون من جملة ما يتوقف