فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون من جملة تلك الموجودات فاعل بالاختيار يوجد الحادث أي وقت شاء؟ قلت: لأن الكلام إنما هو على تقدير وجوب المعلول عند وجود العلة ففي أي وقت أوجد المختار ذلك الحادث وإما أن يتحقق قبله جميع الموجودات التي يفتقر هو إليها مما يسمى إرادة أو اختيارا أو غير ذلك، ولم يوجد الحادث فيلزم التخلف، وإما أن لا يتحقق فينقل الكلام إلى ذلك البعض الذي لم يوجد بأن عدمه لا بد أن يكون عند عدم شيء من الموجودات التي يفتقر هو إليها، وهكذا إلى الواجب على ما مر فيلزم انتفاء الواجب، وهو محال، وقد يجاب عن هذا السؤال بأن العلية تقتضي شدة المناسبة بين العلة، والمعلول لئلا يكون صدوره رجحانا بلا مرجح، وليكون وجود العلة مستلزما لوجود المعلول، ولا شك أن الموجب أشد مناسبة بالموجب من المختار فلا يفيض من الموجب إلا الموجب، وضعف هذا الكلام غني عن البيان، وإذ قد بطلت الأقسام الثلاثة ثبت أنه لا بد على تقدير وجوب وجود المعلول عند وجود العلة من أن يدخل في جملة ما يتوقف عليه وجود الحادث أمر ليس بموجود ولا معدوم وهو المطلوب فإن قيل لم لا يجوز أن يكون من جملة ما يتوقف عليه وجود الحادث الحركات الفلكية على أنها أزلية، وعدم كل سابق منها معد لوجود اللاحق، والكل مستند إلى الواجب من غير أن يكون لها بداية، والحركة أمر غير قادر الذات فيرتفع لامتناع بقائها لا لارتفاع شيء من الموجودات التي تفتقر هي إليها حتى يلزم ارتفاع الواجب، وحينئذ لا يتم لبرهان على امتناع تركب علل الحوادث من الموجودات، والمعدومات فلا يلزم ثبوت أجور لا موجودة، ولا معدومة أجيب بأنه لا يتصور الحركة إلا بأن يوجد أين أي كونه في مكان أو وضع فينعدم، ويحدث أين أو وضع آخر فالأين أو الوضع الأول ممكن البقاء فلو استند إلى الواجب وجوبا يجب بقاؤه فلا يحدث حركة أصلا فالماهية الغير القارة لا تكون أثرا للموجب، والذات التي يمتنع زوالها كيف توجب أثرا يجب زواله.
فإن قيل: الذات تكون علة لمطلق الحركة، وهو أمر سرمدي، وإن كان أفراده بحيث يجب زوالها قلت ماهية الحركة ليست ماهية محققة، وإلا لم تكن طبيعة المطلق مخالفة لطبيعة الأفراد بل هي ماهية اعتبارية ركبها العقل من حدوث كون، ثم عدمه، وحدوث كون آخر، فإن قيل: يمكن أن يكون المطلق باقيا بتجدد الأفراد مع أن الأفراد غير باقية قلنا: نعم لكن لا يمكن أن يكون في طبيعة الأفراد امتناع البقاء، وفي طبيعة المطلق إمكان البقاء بل طبيعة الأفراد، والمطلق تكون على نهج واحد في الإمكان، والامتناع، وهاهنا طبيعة كل فرد تقتضي عدم البقاء فلا يكون للمطلق طبيعة نوعية موجودة تحتها أفراد، فلا يكون المطلق معلول الموجب، ولا أفراده أيضا لامتناع بقائها كذا ذكره المصنف رحمه الله تعالى. وهو لا يدفع ما ذهب إليه الفلاسفة من استناد الحركات إلى إرادات حادثة من النفوس الفلكية لا إلى بداية، وتحقيق هذا المقام موضعه علوم أخر. وقد يستدل على إثبات الواسطة بين الموجود، والمعدوم بأن الإيجاد ليس اعتبارا عقليا للقطع بتحققه سواء وجد اعتبار العقل أو لم يوجد، ولا أمرا محققا موجودا، وإلا لاحتاج إلى إيجاد آخر، ولزوم التسلسل من جانب المبدأ في الأمور الموجودة، ويمتنع كون إيجاد الإيجاد عينه ضرورة تغاير المحتاج، والمحتاج إليه، ولجواب أن المعلوم قطعا هو أن الفاعل أوجد شيئا، وهذا لا ينافي كون الإيجاد أمرا اعتباريا غير متحقق في الخارج إذ لا يلزم من انتفاء مبدأ المحمول انتفاء الحمل كما في قولنا: زيد أعمى فإن الأمر كذلك سواء وجد اعتبار العقل أو لم يوجد مع أن العمى أمر عدمي فإذا قتل زيد عمرا