على الأداء يستغني عن بقائها"أي: استمرارها فلهذا لا تشترط للقضاء فلهذا إذا ملك الزاد والراحلة فلم يحج فهلك المال لا يسقط عنه؛ لأن الحج وجب بالقدرة الممكنة فقط؛ لأن الزاد والراحلة أدنى ما يتمكن به"على هذا السفر غالبا"اعلم أن جعل الزاد والراحلة من القدرة الممكنة يناقض قوله: لأن القدرة التي شرطناها متقدمة إلخ."
وبأنه لو كان التكليف مشروطا بما ذكرتم لما توجه التكليف إلا حال المباشرة، ويلزم أن لا يعصي بترك المأمور به لعدم التكليف بدون المباشرة، والتحقيق أنه قبل المباشرة مكلف بإيقاع الفعل في الزمان المستقبل، وامتناع الفعل في هذه الحالة بناء على عدم علته التامة لا ينافي كون الفعل مقدورا مختارا له بمعنى صحة تعلق قدرته وإرادته وقصده إلى إيقاعه، وإنما الممتنع تكليف ما لا يطاق بمعنى أن يكون الفعل مما لا يصح تعلق قدرة العبد به وقصده إلى إيجاده، وبهذا يندفع ما يقال إن الفعل بدون علته التامة ممتنع ومعها واجب فلا تكليف إلا بالمحال؛ لأن في الأول تكليفا بالمشروط عند عدم الشرط، وفي الثاني تكليفا بتحصيل الحاصل.
قوله:"أو نقول"جواب ثالث عن دليل زفر حاصله منع المقدمة المطوية القائلة بأن ما لا يجب أداؤه لا يجب قضاؤه والسند هو وجوب قضاء صوم المسافر والمريض مع عدم وجوب الأداء.
قوله:"ولا يشترط"يحتمل أن يكون جوابا آخر عن دليل زفر وأن يكون ابتداء كلام يعني أن القضاء إنما يجب لبقاء الواجب بالسبب السابق، وهو غير مشروط ببقاء القدرة الممكنة لأن المفتقر إلى حقيقة هذه القدرة وبقائها هو حقيقة الأداء، وأما التمكن من الأداء فمستغن عن بقائها بل يكفي مجرد إمكانها وتوهمها، وإذا كان الوجوب باقيا بدون بقاء هذه القدرة، كان القضاء ثابتا بدونها فلا يكون شرطا للقضاء بل للأداء فقط، وهو المطلوب، ولا يلزم تكليف ما ليس في الوسع لأن هذا ليس ابتداء تكليف بل بقاء التكليف الأول على ما هو المختار من أن القضاء إنما هو بالسبب الأول لا بنص جديد، وقد يستدل على اختصاص هذه القدرة بالأداء بأنه يلزمه في النفس الأخير من العمر قضاء جميع المتروكات من الصلاة والصوم مع عدم القدرة، وليس ذلك ليظهر أثره في الخلف كما في الجزء الأخير من الوقت إذ لا خلف للقضاء، وجوابه أن ذلك إنما اعتبر ليظهر أثره في المؤاخذة في الآخرة كالميت يبقى عليه الواجبات في حق بقاء الإثم المؤاخذة مع أن الموت عجز كلي يسقط معه الفعل قطعا، ومن هاهنا قيل لا فرق بين الأداء، والقضاء في أن كلا منهما إن كان مطلوبا لنفس الفعل فلا بد من بقاء القدرة إذ لا يتصور الفعل بدونها، وإن كان مطلوبا لأمر آخر يكفي توهم القدرة ففي النفس الأخير تبقى الواجبات بتوهم امتداد الوقت ليظهر أثره في المؤاخذة، وكذا الصلاة بعد فوات القدرة تبقى في الذمة لتوهم حدوث القدرة.
قوله:"لأن الزاد والراحلة"دليل على أنهما من القدرة الممكنة حتى لا يشترط بقاءهما وجوب الحج، ثم الظاهر أنهما من قبيل الآلات التي هي وسائط حصول المطلوب فجعلهما من القدرة الممكنة لا يناقض تفسيرها بسلامة الآلات والأسباب على ما زعم المصنف رحمه الله تعالى.