شيء منهما مخالفة الإجماع ولو جعل الحكمان حكما واحدا كما يقال الانتقاض في الخروج مع عدمه في المس قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعكسه قول الشافعي رحمه الله تعالى فهما لا يشتركان في أمر واحد, ولو جعل أحد الافتراقين مشتركا فقد مر أنه ليس حكما شرعيا, ولو قيل: يشتركان في حكم شرعي, وهو عدم جواز الصلاة فإن من احتجم ومس المرأة لا تجوز صلاته بالإجماع. أما عندنا فللاحتجام, وأما عنده فللمس فالذي يخطر ببالي أن لا يقال: إن هذه الصلاة باطلة إجماعا; لأن الحكم عندنا أنها لا تجوز للاحتجام, والحكم عند الشافعي رحمه الله تعالى أنها لا تجوز للمس وكل من الحكمين منفصل عن الآخر لا تعلق لأحدهما بالآخر. فيمكن أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى يكون مخطئا في الخروج مصيبا في المس, والشافعي رحمه الله تعالى يكون مخطئا في المس مصيبا في الخروج إذ ليس من ضرورة كونه مخطئا في أحدهما أن يكون مخطئا في الآخر, وإما أن يكون الثابت عند البعض الوجود في الصورتين وعند البعض العدم في الصورتين ويسمى هذا عدم القائل بالفصل.
وأما الإجماع المركب فأعم من هذا كمسألة الزوج مع الأبوين, والزوجة مع الأبوين, ومسألة الفسخ بالعيوب, فإن الثابت شمول الوجود, أو شمول العدم فيجب أن ينظر أن شمول الوجود وشمول العدم إن كانا مشتركين في حكم واحد شرعي, فحينئذ يكون الافتراق إبطالا للإجماع نظيره أنه ليس للأب والجد إجبار البكر البالغة على النكاح عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى لكل واحد منهما ولاية الإجبار فالقول بولاية الأب دون الجد خلاف
قوله:"فالتطهير واجب بالإجماع"قد عرفت أنه يصدق لا شيء من التطهيرين بمجمع على وجوبه أما غسل المخرج فلمخالفة أبي حنيفة رحمه الله تعالى, وأما غسل الأعضاء فلمخالفة الشافعي رحمه الله تعالى فلا يصدق أن أحدهما واجب بالإجماع.
قوله:"ولو جعل الحكمان"يعني: لو اعتبر التركيب بين الحكمين في كل من القولين ليصير حكما واحدا بأن يقال الانتقاض بالخروج مع عدم الانتقاض بالمس حكم واحد لأبي حنيفة رحمه الله تعالى, والانتقاض بالمس مع عدم الانتقاض بالخروج حكم واحد للشافعي رحمه الله تعالى فهذان لا يشتركان في أمر واحد وقع الاتفاق عليه حتى تكون مخالفته إبطالا للإجماع, فإن قيل قد اتفقا على أحد الافتراقين أعني: انتقاض الخروج دون المس أو بالعكس. فالجواب ما مر من أنه مع كونه واحدا اعتباريا ليس بحكم شرعي, فإن قيل ينبغي أن يكون القول بشمول العدم مبطلا للإجماع على حكم شرعي هو بطلان صلاة من احتجم ومس. فالجواب أن بطلانها ليس بمجمع عليه, وإنما قال فالذي يخطر ببالي; لأن الظاهر أنه لا خلاف في بطلان الصلاة, وإنما الخلاف في جهة البطلان فالحكمان متحدان لا تغاير بينهما أصلا, وإنما التغاير في العلة.
قوله:"وأما الإجماع المركب فأعم من هذا"أي: مما يسمى عدم القائل بالفصل; لأنه يشمل ما إذا كان أحدهما قائلا بالثبوت في إحدى الصورتين فقط, والآخر بالثبوت فيهما أو بالعدم فيهما.